الأحزاب اليمنية… هندسة الانهيار وصناعة الفوضى 



منذ عقود واليمن يدور في حلقة مفرغة من الصراع السياسي. أحزاب بلا مشروع، وقيادات بلا رؤية، وصراعات لا تنتهي أعادت إنتاج الأزمة جيلاً بعد جيل. كل محطة سياسية تحوّلت إلى معركة نفوذ، وكل فرصة إصلاح انتهت إلى مزيد من التشظي.

الجنوب… من صراع الجبهات إلى صراع الحزب الواحد

بعد الاستقلال، دخل الجنوب في مواجهة مسلّحة بين جبهة التحرير والجبهة القومية. انتصرت الجبهة القومية لكنها فشلت في بناء مشروع جامع، ورسّخت ثقافة الإقصاء والغلبة.

بلغت هذه الثقافة ذروتها في أحداث 13 يناير 1986، حين تحوّل الحزب الواحد إلى ساحة صراع دموي بين أجنحته، فتمزّق المجتمع وهاجرت الكفاءات.

الحراك الجنوبي… فرصة ضائعة

انطلق الحراك السلمي عام 2007 كحركة شعبية نقية، لكنه تحوّل سريعًا إلى ساحة تنافس بين مكوّنات حزبية ومناطقية، فتعددت الرايات وضاعت فرصة بناء مشروع وطني جنوبي ناضج.

الشمال… صراع القبيلة والسلطة

في الشمال، تحوّلت الأحزاب إلى أدوات داخل صراع طويل بين القبيلة والسلطة. شاركت في حروب 1978 والمناطق الوسطى و1994، ثم فاوضت في مؤتمر الحوار على المكاسب لا على مستقبل الدولة.

المؤتمر واللقاء المشترك… صراع بلا مشروع

احتكر المؤتمر السلطة، بينما تبنّى اللقاء المشترك خطاب المعارضة دون رؤية وطنية. انشغل الطرفان بمعارك النفوذ، فضعفت مؤسسات الدولة وتعمّق الانقسام.

2011… لحظة ضائعة

تحوّلت الثورة إلى تصفية حسابات بين المؤتمر والمشترك. اختطف الطرفان صوت الشباب، وفشلا في إدارة المرحلة الانتقالية، فانهارت الدولة.

2015… الانفجار الكبير

كانت الحرب نتيجة طبيعية لمسار طويل من الفشل الحزبي. تمددت قوى الأمر الواقع، وانقسمت الأحزاب أكثر، واصطفت خلف داعميها الإقليميين، بينما غابت القيادة والرؤية.

المكوّنات المناطقية… تكريس للانقسام

ظهرت كيانات مناطقية بلا قواعد ولا رؤية. تُنشأ في الفنادق وتختفي عند أول اختبار، وتُستخدم للضغط السياسي لا لبناء مشروع وطني.

فشل بنيوي… وأحزاب تتكاثر بلا جدوى

أكثر من 70 حزبًا مسجّلًا، وعشرات الكيانات غير الرسمية. تضخم عبثي في بلد يعجز عن إدارة مدرسة أو مستشفى.

القواعد الحزبية… غضب صامت

الكوادر الشابة والمثقفون يدركون حجم الفشل، لكن الغضب صامت، يكشف أزمة أحزاب فقدت صلتها بجمهورها.

دور التحالف… دعم بلا مشروع

منذ 2015 حصلت الأحزاب على دعم عسكري كبير، لكنها لم تبنِ مشروعًا سياسيًا، بل اعتمدت على الخارج بدل الاعتماد على الذات.

قيادات في الخارج… ومواطن يواجه الجوع

بينما ينهار الوطن، تتوزع القيادات في العواصم، ضامنة مصالحها، متفرجة على بلد يتفكك.

فوضى التكوين الحزبي

تأسيس حزب في اليمن اليوم أسهل من افتتاح بقالة. مكوّنات بلا برامج ولا قواعد ولا رؤية.

المشروع الوطني القادم… خارج عباءة الأحزاب

اليمن يحتاج إلى مشروع وطني جديد يقوم على:

• هوية جامعة

• عقد سياسي عادل

• قيادة شابة مستقلة

لن ينهض اليمن ما لم تُحلّ الأحزاب التي صنعت الأزمة وعمّقت الانقسام.

وما حدث في عدن بعد تجميد أحد المكوّنات السياسية مثال واضح:

مدينة كانت غارقة في التعطيل، وما إن تراجع النفوذ الحزبي حتى بدأت الخدمات تتحسن، والطرقات تُرمّم، والكهرباء تستقر، والمواطن يشعر لأول مرة أن الدولة يمكن أن تعمل حين تُرفع عنها يد الصراع الحزبي.

هذا وحده يكفي ليقول إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الأحزاب… بل يحتاج إلى دولة. # أنور حميد باعوضه