التضامن مع عدن الغد دفاع عن المدينة وقيمها....
بروفيسور قاسم المحبشي ..
كتب الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل في أواخر القرن التاسع عشر: «لقد ذهب الوقت الذي كان فيه من الضروري الدفاع عن حرية الصحافة بوصفها واحدة من الضمانات ضد الفساد والطغيان والاستبداد». أما نحن في اليمن المخطوفة من المليشيات المسلحة فما زال الناس يبحثون عن مقومات الحياة الأساسية الأولى، تلك التي وضعها عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو في قاعدة هرم الحاجات الإنسانية الذي صنفها في خمس حاجات أساسية على شكل هرم يبدأ بالحاجات الفسيولوجية مثل الجوع والعطش وتجنب الألم والجنس وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر، ثم حاجات الأمان المرتبطة بالحفاظ على الحالة الراهنة وضمان النظام والاستقرار المادي والمعنوي، والحاجة إلى الإحساس بالأمن والثبات والحماية والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات، وهي حاجات يتجلى غيابها في الخوف من المجهول والغموض والفوضى وفقدان السيطرة، ويرى ماسلو أن الغالبية العظمى من الناس لا تستطيع تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع. يلي ذلك حاجات الحب والانتماء، وهي حاجات اجتماعية تتصل بالرغبة في علاقة حميمة والانتماء إلى جماعة منظمة وإلى إطار اجتماعي يشعر فيه الإنسان بالألفة، سواء على مستوى الحب القائم على النقص والسعي إلى تعويض الوحدة والخوف، أو على مستوى الحب القائم على الكينونة الذي يقوم على الاعتراف بالآخر كوجود مستقل يُحب لذاته لا بوصفه وسيلة. ثم تأتي حاجات التقدير التي تشمل احترام الذات من الداخل، والحاجة إلى التقدير والاعتراف الاجتماعي من الخارج، ويؤكد ماسلو أن النضج الإنساني يجعل احترام الذات الداخلية أكثر قيمة من السعي وراء الاعتراف الخارجي. أما قمة الهرم فتتمثل في حاجات تحقيق الذات والحاجات العليا، حيث يسعى الإنسان إلى استخدام قدراته وإمكاناته الكامنة أقصى استخدام ممكن، لا بمعنى النجاح الفردي الضيق، بل بوصفه سعيًا نحو قيم عليا مثل الحقيقة والجمال والعدل والنظام.
ومن هذه الحاجات الإنسانية الأساسية تفرعت الحقوق الإنسانية الجوهرية التي أقرتها البشرية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948، والذي نص في مادته الأولى على أن «يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء»، كما أكدت المادة الحادية والعشرون حق كل شخص في تقلد الوظائف العامة في بلده على قدم المساواة مع الآخرين، فضلًا عن الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وحقوق التفكير والتعبير والنشر والتنظيم. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين نحن من هذه الحقوق؟ وأين ما جرى صباح اليوم من هجوم همجي عنيف على مكتب صحيفة عدن الغد وموظفيها من أبسط حقوق الإنسان الأساسية؟
إن عدن الغد ليست مجرد صحيفة، بل تؤدي بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين وظيفة ما فوق إعلامية، وتشبع حاجة نفسية وفطرية عميقة إلى الأمل والتفاؤل وإمكانية النقد والشكوى، كما تقوم بدور مدني في تفريغ الاحتقان والإحباط والشعور بالقهر والحرمان، وتسهم لاشعوريًا في خدمة السياسة العامة الرشيدة عبر امتصاص شحنات الغضب والعنف المتراكمة في النفوس نتيجة الإحساس المتزايد بالاختناق وانسداد الآفاق في مدينة عدن، مانحة الناس قدرًا من العزاء والسلوى والصبر في انتظار الوعود المؤجلة. ولو أدركت السلطات المهيمنة التي تمتلك القوة التنفيذية، أو الجماعات المسلحة التي أقدمت أو سُمح لها بتنفيذ هذا الهجوم، حجم الآثار والأضرار المباشرة وغير المباشرة، الواعية واللاواعية، التي يخلّفها إسكات صوت مدني مستقل بهذه الطريقة العنيفة الصادمة، ولو خضع قرار كهذا للتمحيص والتدبر الحليم، لما تم اقتراف هذه الفعلة الهمجية التي لا تفتح إلا أبواب الفوضى، وتجعل كل جماعة تهاجم من لا يروق لها، في غياب القضاء وتراخي المؤسسات الأمنية والعامة، وهو ما يغذي منطق القوة ويقوض منطق الدولة.
إن المجتمع المدني، بوصفه مجالًا للحياة العامة المستقلة عن السياسة والقرابة والدين والاقتصاد، لا يمكن له أن ينمو أو يزدهر إلا في ظل دولة مؤسسات منظمة بالدستور والقانون. والحياة المشتركة في مدينة بحرية مثل عدن لا يمكن أن تستمر دون تضامن مدني فعّال، لأن استجلاب أشكال التضامنات التقليدية إليها يعني خرابها المؤكد. وقد سعيت طوال حياتي في عدن إلى ترسيخ منظمات المجتمع المدني وقيمها، وكنت في مقدمة المتضامنين مع كل شخص أو مؤسسة تعرضت للانتهاك، وأذكر أنني كتبت مطولًا شعرًا ونثرًا تضامنًا مع صحيفة الأيام والمرحوم هشام باشراحيل في محنتهما المعروفة، تضامنًا خالصًا دون غايات أخرى، كما أسهمت في تأسيس ودعم العديد من منظمات المجتمع المدني وألقيت محاضرات على نشطائها الشباب، ولعل بعضهم ما زال يتذكر. نعم، أنا حزين وغاضب مما يحدث في عدن التي أحبها، وربما كان انتمائي للقيم المدنية أعمق من انتماء البعض الذين وُلدوا فيها، فالمدنية ليست نسبًا جغرافيًا بل قيم وأخلاق ورموز لا يفهمها إلا من تشربها، وربما كان لتخصصي في الفلسفة دور في استيعاب معنى التمدن والمدنية.
وكما يستحيل السير في المدن دون نظام مرور فعّال، يستحيل العيش في مجتمع دون نظام مؤسسات دولة يطبق القانون على الجميع بلا استثناء. فنظام المرور رمز المدنية الأوضح، قانون صامت وعادل لا يميز بين الناس، وحين تتعطل إشاراته تسود الفوضى. هكذا هي المدن عندما تسقط هيبة القانون. وقد كانت عدن من أوائل المدن العربية التي عرفت نظم المرور الحديثة وشبكات المواصلات، ووصفها أمين الريحاني بوصف بليغ حين قال إن سكانها على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم «يتاجرون ولا يتنافرون، ويربحون ولا يفاخرون، ولا يهمهم غير الأمن والنظام». الأمن والنظام، لا العصبيات ولا الشعارات.
إن إسقاط هيبة القضاء والمؤسسات العامة، حتى في القضايا البسيطة، يفتح الباب لانهيار شامل في التعامل مع القضايا الكبرى والمعقدة، لأن السبب في جوهره سياسي لا قضائي، وثمة إرادة ممنهجة لتحويل عدن من مدينة إلى قرية، وقد سبق أن كتبت في دراسة مطولة عن أن الأمن شرط لازم للتنمية، وأن شعور الفرد بالأمان هو أساس الإنتاج والاستقرار والرضا العام. فكلما كانت المؤسسات الأمنية والقضائية قادرة على تطبيق القانون، تحقق قدر أعلى من الأمن، وتوجهت موارد المجتمع إلى التنمية بدل الفوضى.
ختامًا، ثمة علاقة عضوية بين الهيبة والكرامة؛ كرامة الوطن وكرامة المواطن وكرامة الدولة. فالهيبة هي الدرع الواقي للكرامة، وحين تسقط هيبة المؤسسات العامة، من قضاء وأمن وتعليم وثقافة، تسقط كرامة الناس. وما يؤلمني حقًا أن أرى عدن تفقد هيبتها يومًا بعد يوم على مرأى ومسمع من سلطات تدّعي الحكم، دون أن تستميت في الدفاع عنها. وكما قال سقراط: «على سكان المدن أن يدافعوا عن مؤسساتهم العامة كما يدافعون عن أسوار مدنهم». فماذا تكون المدينة بلا مؤسسات تحكمها قوة النظام والقانون....




