حكم القوي على الضعيف: سياسة الاستقواء ومعايير الكرامة
في عالم السياسة، لا تُقاس العلاقات بين الدول بالنوايا المعلنة ولا بالخطابات الدبلوماسية، بل بميزان القوة والندية. وحين يختل هذا الميزان، يصبح الضعيف ساحة اختبار، لا شريكًا، وتتحول السيادة إلى بند مؤجل في بيانات المجاملات.
سياسة الاستقواء ليست وليدة اللحظة، لكنها اليوم أكثر وقاحة. دول تُكافئ من يتحداها، وتُمعن في تقزيم من يراهن عليها. تُحسن الإنصات لمن يرفع صوته في وجهها، وتُدير ظهرها لمن يطرق بابها متوسلًا أو صامتًا.
مطار المخا: رمز السيادة أم منصة الاستعراض؟
مطار المخا، الذي أنشأته دولة الإمارات، لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل رسالة سياسية مفادها أن الجغرافيا يمكن أن تُدار خارج مركز القرار الوطني. ورغم كل ما قيل عن الأهداف الإنسانية والتنموية، ظل المطار رمزًا لسؤال أكبر: من يملك القرار؟ ومن يمنح الإذن؟
رحلة الاستعراض… حين يقول الحوثي لا
أولى الرحلات السعودية إلى مطار المخا لم تكن رحلة عادية، بل محاولة استعراض سيادي في سماء لا تُدار فعليًا من الرياض. لكن المفاجأة لم تكن في المنع، بل في الجهة التي منعت. الحوثي، الخصم المعلن للمملكة، لم يسمح للطائرة بالهبوط، وأعادها من حيث أتت: إلى مطار جدة.
هنا، لا يمكن تجاوز المشهد بسهولة. طائرة سعودية تُعاد بقرار من جماعة مصنفة عدوًا، دون رد فعل يوازي حجم الإهانة السياسية. لا بيان حازم، لا تصعيد، لا حتى احتجاج دبلوماسي يُذكر. ابتلعت المملكة لسانها، ومضت وكأن شيئًا لم يكن.
حين تُكافَأ الجرأة ويُعاقَب الخضوع
الفارق الجوهري بين الحوثي وغيره، ليس في المشروعية ولا في الأخلاق، بل في طريقة إدارة العلاقة مع القوة. الحوثي واجه، فُفُتِح له باب التفاوض، وفرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاهله. بينما هناك من اختار الصمت، أو القبول بالهامش، أو استبدال الكرامة بالوعود، فكان نصيبه التهميش.
السياسة لا تحترم من يرضى بالذل، ولا تكترث لمن يقدّم أوراقه دون شروط. التاريخ القريب يثبت أن من يرفع سقف مطالبه، حتى وإن كان خصمًا، يُحسب له ألف حساب، بينما من يخفض رأسه طوعًا، يُطلب منه المزيد من التنازلات.
خلاصة المشهد
ما جرى ليس حادثة طيران، بل درس سياسي قاسٍ:
القوة لا تحترم إلا من يقف ندًا،
والسيادة لا تُمنح لمن ينتظرها،
والكرامة لا تُستعاد بعد التفريط بها.
في زمن الاستقواء، لا مكان للضعفاء… بل فقط لمن يرفض أن يكون كذلك.




