ميناء عدن وجبل علي: قراءة في الجغرافيا السياسية والاقتصادية.. هل يخشى "النموذج" استعادة "الأصل" لمكانته؟
في أدبيات الاقتصاد البحري المعاصر، يظل الفارق بين "الموقع الفطري" و"المنظومة المشيدة" هو محور الارتكاز في تقييم تنافسية الموانئ المحورية. وقد أثير مؤخراً نقاش حول مستقبل التنافس اللوجستي في المنطقة، برز فيه طرح الفريق ضاحي خلفان الذي اعتبر فيه ميناء عدن "مكملاً إقليمياً" لا يشكل تهديداً لميناء جبل علي في المدى المنظور، مستنداً إلى فوارق البنية التحتية والمنظومة الإدارية. إلا أن القراءة الفنية العميقة لسلاسل الإمداد العالمية تفرض علينا تفكيك هذه الفرضية ومواجهتها بحقائق الجغرافيا وأرقام كلف التشغيل التي لا تجامل أحداً.
أولاً: ضريبة المسافة ومعادلة الانحراف الملاحي
تعتمد تنافسية الموانئ عالمياً على مدى قربها من خطوط الملاحة الرئيسية (East-West Trade Lane). وهنا يبرز التحدي الجيومكاني لميناء جبل علي؛ فالسفن العملاقة (Mother Ships) المتجهة من جنوب شرق آسيا نحو أوروبا تضطر للانحراف شمالاً لدخول الخليج العربي عبر مضيق هرمز.
• الأثر الرقمي: هذا الانحراف يضيف مسافة تُقدر بـ 1,200 ميل بحري للرحلة (ذهاباً وإياباً).
• كلفة التشغيل: بالنظر إلى استهلاك السفن الحديثة (ULCV) التي تستهلك نحو 150 طناً من الوقود يومياً، وبإضافة تكاليف استئجار السفينة وطاقمها وتأمينها، نجد أن كل رحلة "ترانزيت" تختار دخول الخليج بدلاً من الرسو في عدن تتحمل كلفة إضافية تتراوح بين 250,000 إلى 300,000 دولار. في عالم يتم فيه حساب الربحية بالسنتيمتر المربع للحاوية، يمثل ميناء عدن "نقطة الصفر" المثالية لتقليل هذه التكاليف الضائعة.
ثانياً: معضلة الأعماق وقابلية التطوير الهيكلي
يُساق أحياناً تفوق الأعماق الحالية لموانئ المنطقة كحجة لعدم قدرة عدن على المنافسة. ومن الناحية الفنية، يتراوح العمق الحالي لميناء عدن بين 14.7 و16 متراً، وهو ما يقل عن الغاطس المطلوب لأضخم سفن العالم (17.5 متر).
إلا أن الفارق الجوهري يكمن في "الجدوى الجيولوجية"؛ فقاع ميناء عدن المكون من ترسبات طينية رملية يمنحه ميزة "القابلية للتوسعة العمودية" (Scalability) بتكاليف هندسية منخفضة جداً مقارنة بالموانئ الاصطناعية التي تتطلب جرفاً صخرياً أو صيانة مستمرة ومكلفة. إن الوصول إلى عمق 18 أو 20 متراً في عدن هو مجرد قرار استثماري وتنفيذي، وبمجرد تحقيقه، ستسقط آخر العقبات التقنية التي تحول دون استقبال السفن من فئة الـ 24,000 حاوية، مما يجعل المقارنة الفنية تعود لصالح عدن نظراً لانخفاض تكاليف الصيانة الدورية للأعماق.
ثالثاً: الترانزيت والسيادة اللوجستية
إن القول بأن دور عدن يقتصر على كونه "مكملاً إقليمياً" هو قراءة تفتقر لاستيعاب مفهوم "الميناء المحوري" (Hub Port).
• إعادة التشكيل: بموقع عدن الاستراتيجي، هو المرشح الطبيعي لاستقبال الحاويات وتوزيعها (Transshipment) إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية، دون الحاجة لدخول السفن الأم إلى "عنق الزجاجة" في مضيق هرمز.
• مخاطر الاختناق: يقع عدن خارج نقاط الاختناق الجيوسياسية، مما يجعله "الملاذ الآمن" لسلاسل الإمداد في الأزمات، وهو ما تضعه شركات التأمين العالمية (P&I Clubs) في الحسبان عند تقييم المخاطر وتكاليف الشحن.
رابعاً: الأثر الاقتصادي والنهضة الوطنية
استعادة ميناء عدن لدوره الريادي ليست مجرد مسألة تنافسية ملاحية، بل هي قاطرة الاقتصاد اليمني. إن تشغيل الميناء بكامل طاقته يعني تحويل اليمن من "سوق استهلاكي" إلى "منصة خدمات لوجستية"، مما سيوفر عشرات الآلاف من فرص العمل النوعية، ويحفز نمو الصناعات التحويلية في المناطق الحرة، ويخلق تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تساهم في استقرار العملة الوطنية وإعادة الإعمار.
الخاتمة: حتمية التاريخ والجغرافيا
في الختام، لا يمكن للمرء إلا أن يحترم قصة نجاح جبل علي كإنجاز إداري وتكنولوجي فريد، لكن نجاح "النموذج" لا يلغي فاعلية "الأصل". إن التاريخ الملاحي يؤكد أن الخدمات تتبع دائماً المسار الأقصر والأكثر جدوى اقتصادية.
إن ميناء عدن، بما يمتلكه من خصائص فطرية، لا يحتاج لتقديم نفسه كمنافس يبحث عن صراع، بل كضرورة حتمية لتصحيح مسار التجارة العالمية وتخفيض كلفة الإمداد. المنافسة القادمة لن تُحسم بمقدار ما نملكه من أرصفة، بل بمقدار ما نوفره للعالم من "وقت ومال"، وفي هذه المعادلة، يظل ميناء عدن هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة الاقتصاد الأزرق العالمي




