سعد كموني أبو خالد… الذي أفزعني رحيله ....



بروفيسور / قاسم المحبشي ...

صُدمتُ البارحة بنبأ وفاة صديقي العزيز، المفكّر العربي المستنير الدكتور سعد كموني، أبو الدكتور خالد، رئيس وحدة الدراسات الفلسفية والتأويلية في المعهد العالمي للتجديد العربي.
ألفُ رحمةٍ ونورٍ تغشاه، وعظّم الله أجركم، ونسأل الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنّاته، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

عرفته عبر الفضاء الافتراضي، ثم صرنا أصدقاء. كان حضوره الراقي يضفي حالةً إيجابيةً في الندوات الفكرية؛ رجلًا موسوعيّ الثقافة، واسع الاطلاع، حاضر الذهن، قويّ الحجّة، بليغ التعبير.
وفضلًا عن ذلك، كانت علاقته المتميّزة بولده الدكتور خالد كموني لافتة؛ إذ لم يُظهرا أبدًا علاقتهما العائلية كما قرأناها في رواية ( الآباء والبنون) للروسي إيفان تورغينيف، حيث كان الأب ينظر إلى ابنه كما يُنظر إلى زمنٍ لم يعد يملكه: بحنانٍ مشوبٍ بالخوف.لم يكن الخلاف بينهما في الكلمات، بل في المعنى الكامن خلفها؛ فالأب يرى العالم امتدادًا لتجربته، بينما يراه الابن مادةً للهدم وإعادة التشكيل. وحين كان الابن يسخر من القيم القديمة، لم يكن يهدمها بقدر ما كان يطلب اعترافًا بحقه في عالمٍ لا يريد أن يرثه كما هو. أمّا الأب، فكان يدافع عن الماضي لا لأنه كامل، بل لأنه الوحيد الذي يعرف كيف يحبّ من خلاله وهكذا ظلّ الصراع بينهما مشدودًا بين حبٍّ لا يُقال، وقطيعةٍ لا تكتمل.

غير أنّ الدكتور سعد ونجله خالد شكّلا، في الواقع، ثنائيًا نادرًا في حياة النخب المثقفة العربية، تجلّى ذلك بوضوح في الحوار الضافي الذي أجراه الدكتور حسام الدين درويش مع الراحل في مؤسسة مؤمنون بلا حدود.
إذ سأله عن علاقته بابنه الدكتور خالد، فجاء جواب الأب الراحل كاشفًا عن علاقة فكرية وإنسانية عالية النضج، قال فيها:

«طبعًا، عندما اختار أن ينحو هذا النحو، قلت له: أنت اخترت الطريق الأصعب، لكن مواده الأولية موجودة. المكتبة التي كانت في البيت سبب اختيارك. لذلك كان خياره إسعادًا لي؛ لأنني سأستطيع أن أقدّم له ما يريده…
هو الآن مستقل تمامًا، وربما بات يؤثّر فيّ بالقدر نفسه الذي أثّرتُ فيه. أنا أقرأ ما يكتب بشغف، وهو يقرأني ويتابعني. أحاول، من موقع الصداقة بيني وبينه، أن أحدّ من اندفاعاته. ما زال لا يوافقني، وما زال يتمنّى أن يكون بيده سيف، وأنا لا أتمنّى ذلك».

نعم، إن موت من نعرفهم صادم دائمًا، لكن رحيل بعض الأشخاص يحمل معنى الفجيعة التي تجعل سؤال الموت يُطرح من جديد. فالموت، paradoxically، حدثٌ أكثر أهميةً وحيويةً للحياة من الميلاد ذاته فمنذ أن صرخ جلجامش في جسد أنكيدو، رفيق حياته، لا يزال سؤال الموت ورهبته يعاود الحضور أمام كل جسدٍ إنسانيٍّ توقّف نبضه ونفدت طاقته الحيّة. جاء في الملحمة:

«أنكيدو، صاحبي ورفيق حياتي الذي أحببته حبًا جمًّا، لقد انتهى إلى ما تصير إليه الكائنات الحية كلّها… فهالني صمته، وهمتُ على وجهي في الصحراء بحثًا عن سرّ الحياة والموت».

ولم تكن ملحمة جلجامش سوى تمثيلٍ مكثّف لذلك الصراع الأزلي بين الموت ورغبة الإنسان في الخلود؛ الإنسان الضعيف، المقهور، في محاولته اليائسة للتشبّث بالوجود، مدفوعًا بغريزة حبّ الحياة.

في حضرة الموت، تسقط كل التفاعلات والانفعالات والمواقف والخلافات التي نعرفها بين الأحياء. وبهذا المعنى نفهم القول الأثير: «اذكروا محاسن موتاكم»؛ فالموت يكشف هشاشة الحياة وضعفها، ويجرّد الإنسان من كل أقنعته.

موت بعض الأشخاص الذين نعرفهم يدخلنا في حالةٍ شعورية محتدمة بالحزن والتأمّل والبحث عن المعنى. تلك هي الحالة التي انتابتني وأنا أقرأ نبأ رحيل الصديق الفكري سعد كموني، الذي لم أكن أعرف تاريخ ومكان مولده إلا بعد رحيله.

برحيل الدكتور سعد كموني، لا نفقد صديقًا فحسب، بل نفقد شاهدًا على زمنٍ عربيٍّ كان يؤمن بأن الفكر يمكن أن يكون شجاعًا دون أن يكون عدميًا، وأن النقد يمكن أن يكون عميقًا دون أن يكون هدّامًا.
سيبقى أثره في كتبه، وفي تلامذته، وفي تلك العلاقات الإنسانية النادرة التي لا تُبنى على السلطة، بل على الاحترام والفهم والمعنى. 
الفقيد الدكتور سعد كموني في سطور:�من مواليد جب جنين – البقاع الغربي في 2 نيسان من عام 1957، تلقّى علومه الأولى في مدارس بلدته.�باشر مهنة التدريس في المرحلة الابتدائيّة في مدارس جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في القرى البقاعيّة لمدّة 16 سنة، إلى جانب العمل في الصحافة (1979-1993).�شغل منصب مدير تحرير في مجلّة “المنابر” (البيروتيّة) لمدّة اربع سنوات (1992-1996).�مارس التدريس في المرحلة الثانويّة في مركز عمر المختار التربوي، (1996-2004).�عمل أستاذاً محاضراَ في المؤسّسات التربويّة الآتية:�– محاضر في كليّة الشريعة والقانون في جامعة أزهر البقاع (2004).�– محاضر في الجامعة اللبنانيّة الدولية (LIU)، فرع البقاع، (2004-2008).�– محاضر في المعهد الجامعي الأميركيE & C في بعلبك (2005).�– محاضر في الجامعة اللبنانيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللغة العربيّة وآدابها، الفرع الرابع (2008- ).�شارك الدكتور كموني في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات والأمسيات في لبنان والوطن العربي وحاز على تكريماتٍ عديدة�منشوراته:�نشر عدداً كبيراً من المقالات النقديّة والفكريّة المعمّقة في بعض الدوريّات اللبنانيّة والعربية .�نشر عدداً من الكتب الإبداعية والبحثيّة القيّمة منها:�قراءات في الجفر: شعر . –الطبعة الأولى– بيروت: دار الحداثة، 1983.�النوم رماد اليقظة: شعر. –الطبعة الأولى– بيروت: دار الحداثة، 1987.�شجر الخيبة –الطبعة الأولى– بيروت: دار العلم للملايين، 1996.�شجرة في الرأس: رواية. –الطبعة الأولى– بيروت: دار الحداثة، 1999. “من منشورات المركز الثقافي العربي، البقاع”.�الطلَل في النصّ العربي: دراسةٌ في الظاهرة الطلًليّة مظهراً للرؤية العربيّة. – بيروت: دار المنتخب العربي، 1999.�العقل العربيّ في القرآن. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2005. هذا الكتاب هو أصلاً أطروحة الدكتوراة للمؤلف.�الخطاب القرآني: القرآن مرجعيّة للعمل النهضوي. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء، المغرب؛ بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2008.�إغواء التأويل واستدراج النص الشعري بالتحليل النحوي. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2011.�العلمنة والأسلمة: نعم .. ولكنْ. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء،المغرب، بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2014.�آيات الجهاديّين : قراءةٌ أخرى. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2018.�ما ملكت أيمانكم: دراسة في تهافت التبعية والذكوريّة. –الطبعة الأولى– الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي، 2020.�تغمدالله الفقيد بفائض رحمته وأدخله فسيح جنانه ...