حوارات بلا دولة
في اليمن، لا يفشل الحوار لأنه سيئ، ولا لأن الأطراف تفتقر إلى النوايا، بل لأنه يُلقى في فراغ بنيوي لا يسمح له بالعيش.
منذ ثلاثة عقود، تتشكل السلطة وفق معادلة ثابتة: شبكات نفوذ، جيوش موازية، اقتصاد حرب، وولاءات تتجاوز الدولة. تتغير الوجوه والعواصم، لكن البنية تبقى كما هي. ولهذا تتشابه النتائج: لا اتفاق يصمد، ولا تسوية تُنفّذ، ولا دولة تُبنى.
ومسار الرياض اليوم يتحرك داخل هذه البنية نفسها، لا خارجها.
أولًا: الدولة الغائبة… والسلطة كشبكة مصالح
لم تتشكل الدولة اليمنية كمؤسسة محايدة، بل كـ«مظلة» تتقاسمها القوى النافذة.
هذا النموذج أنتج:
• سلطة بلا مؤسسات
• مؤسسات بلا قرار
• قرار بلا سيادة
• سيادة بلا أدوات تنفيذ
وبالتالي، لا يجد أي حوار سياسي دولة تستقبل مخرجاته، بل شبكات مصالح تعيد تدويرها بما يخدم بقاءها.
ثانيًا: تعدد الجيوش… وتفكك القرار
منذ 2011، تحوّل الجيش اليمني إلى جيوش متعددة:
• جيوش مناطقية
• جيوش عقائدية
• جيوش ممولة خارجيًا
• جيوش مرتبطة بفاعلين محليين
هذا التشظي يجعل أي اتفاق سياسي مجرد نص بلا قوة.
فالحوار يحتاج إلى مركز قرار واحد، بينما الواقع اليمني يقوم على مراكز قوى متوازية.
ثالثًا: اقتصاد الحرب… تسوية غير مرغوبة
الحرب في اليمن ليست فقط صراعًا سياسيًا، بل اقتصادًا قائمًا بذاته:
• جبايات
• منافذ
• تجارة سلاح
• تحويلات
• موارد خارجية
• اقتصاد موازٍ للشرعية وللحوثيين وللفاعلين المحليين
هذا الاقتصاد خلق طبقة مستفيدة من استمرار الوضع، ما يجعل أي تسوية تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
رابعًا: الفاعلون الخارجيون… قرار موزع
منذ 2015، أصبح القرار اليمني موزعًا بين:
• الرياض
• أبوظبي
• طهران
• عواصم غربية
• شبكات إقليمية
هذا التداخل يجعل أي حوار داخلي رهينة توازنات خارجية، لا احتياجات وطنية.
خامسًا: مسار الرياض… حوار بلا بنية حاضنة
عند وضع مسار الرياض داخل هذا الإطار البنيوي، تظهر مشكلته الأساسية:
• لا توجد دولة تستقبل مخرجاته
• لا توجد مؤسسات قادرة على التنفيذ
• لا يوجد جيش موحد
• لا يوجد مركز قرار
• لا يوجد مشروع وطني جامع
• لا توجد بيئة سياسية مستقرة
• الفاعلون الحقيقيون على الأرض خارج الطاولة
وبالتالي، يصبح المسار أقرب إلى إدارة أزمة لا حلّها.
سادسًا: لماذا لا ينتج الحوار دولة؟
لأن الحوار — أي حوار — يحتاج إلى:
1. مؤسسات
2. جيش موحد
3. اقتصاد مستقر
4. قرار سيادي
5. بيئة سياسية داخلية
6. فاعلين يمتلكون أدوات التنفيذ
وكل هذه العناصر غير موجودة في اليمن اليوم.
في اليمن، لا يموت الحوار لأنه ناقص، بل لأنه يُلقى في فراغ لا يعترف بوجوده.
فوق أرض بلا دولة، وبنية بلا مؤسسات، وسلطة بلا مركز، يصبح كل اتفاق مجرد ورقة تنتظر أول عاصفة لتتطاير.
وما لم تُبنَ الدولة أولًا — كفكرة، وكهيكل، وكأداة قرار — ستظل الحوارات تدور في حلقة مغلقة، تُعيد إنتاج الأزمة بدل تفكيكها.
إن المشكلة ليست في ما يُقال على الطاولة، بل في غياب الطاولة نفسها.
ولهذا، سيبقى اليمن ينتج حوارات بلا دولة… ودولة بلا قدرة على إنتاج حل. # أنور حميد باعوضه




