نظرية التحدي والاستجابة عند آرنولد توينبي ...



أ.د. قاسم المحبشي ....

 

                     

تمهيد

       التفكير ليس فطريا عند الإنسان كما قد رسخ في الأذهان -بسبب الخلط الشائع بين العقل والتفكير- بل هو أشبه بالسير على الأقدام بالنسبة للقرود ، بما ينطوي عليه من عسر ومشقة بالغة وهذا ما جعله في الثقافة العربية الإسلامية أمر يستعاذ منه اذ يشبه بالهم والقلق والشك والوسواس( اللهم نجنبا من الهم والهرم! جنبكم الله كل فكر! لا يكون لك فكر! فالفكر والتفكير في الثقافة العربية الإسلامية هو النقيض لراحة البال والطمأنينة والسكينة والناس في كل زمان ومكان قلما يميلون إلى الفكر والتفكير ، ولا يكون ميلهم اليه إلا كرها لا اختيارا وذلك في أوقات المحن والأزمات الكبرى إذ يضطرون اليه في مواجهة التحديات العسيرة ، أما في أزمنة اليسر والرخاء والدعة ، فالناس يعيشون حياتهم ويحمدون ربهم على راحة البال ورضا الضمير وبهذا المعنى نفهم صيغة المؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي ، في التحدي والاستجابة ، الذي أكد فيها إن الظروف الصعبة لا السهلة هي السر في فهم نشوء الحضارات ونموها وازدهارها وتعاقبها الدوري فحينما سقطت أثينا تحت سنابك خيول اسباطرة 404 فكر أفلاطون بالجمهورية الرهيبة وحينما سقطت روما العظيمة علي يدي جيوش القوط عام

1822(413–426 م) بمدينة الله ومدينة الشيطان وحينما سقطت الحضارة العربية الإسلامية بسيوف التتار 

 

1258 فكر ابن خلدون 

 

ابن خلدون(1332 - –1406 م) يكتب المقدمة نحو 1377مبالتاريخ وقواه فكتب المقدمة التي أودع فيها فلسفته بالتاريخ. وحينما شاهد هيجل جيش نابليون في شوراع مدينته 1806 كتب عبارته الشهيرة ( العقل يمتطي حصانا) وحينما هزمت المانيا بالحرب العالمية الأولى كتب شبينجلر ، سقوط الحضارة الغربية 1918 - 1922 وحينما شاهد ارنولد توينبي أفول نجم الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس 1918- 1956كتب نظرية التحدي والاستجابة وحينما هزمت المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية كتب هيدجر كتابه الوجود والزمان وحينما خيم الموت فوق اوروبا كلها كتب سارتر الوجود والعدم وحينما انتصرت الليبرالية الأمريكية وسقط المعسكر الاشتراكي كتب فوكوياما نهاية التاريخ والإنسان الأخير! وحينما ادركت الدوائر الاستراتيجية الأمريكية تكاليف نهاية التاريخ كتب هينتجتون صدام الحضارات وحينما انتصرت التقنية الرقمية كتب أولفين توفلر ميلاد حضارة جديدة اسماها حضارة الموجة الثالثة. وهي الشغالة في اللحظة الراهنة . فمتى فكر العرب أو متى سوف يفكرون بالتاريخ وقواه ؟! السنا في لحظة وجودية حدية تستدعي الفكر والتفكير بعد انكشاف عجزنا المهين في عمل إي شيءٍ جدير بالقيمة الاعتبار لاهلنا في فلسطين؟! وجنبكم الله الفكر والتفكير!

نبذة عن حياة توينبي

في فجر يوم 14 ابريل من عام 1889 كان بيت أسرة توينبي يستعد للقاء القادم الجديد، وكان جوزيف توينبي البروتستاتني يتضرع إلى الله بان يرزقه بمولود ذكر، ليكون بحاراً مثل جده الأكبر توينبي، الذي كان رباناً في احدى السفن الشراعية القديمة التي كانت تبحر لحساب شركة الهند الشرقية من لندن إلى كلكتا والعكس، "لقد كان بحاراً جسوراً أسهم في مجد الإمبراطورية البريطانية، وكان هذا البحار له ولد اسمه ارنولد ولكنه توفي عندما كان أبوه ينقل القوات البريطانية إلى الهند عام 1857".

في فجر ذلك اليوم ولد ارنولد جوزيف توينبي Arnold Joseph Toynbee في لندن عاصمة الإمبراطورية المنتصرة من أبوين مسيحيين، كان والده يعمل موظفاً بشركة الشاي، وكانت والدته حاصلة على درجة البكالوريوس في التاريخ ومعلمة لمادة التاريخ في إحدى الثانويات إما جده لأبيه فقد كان أول طبيب في لندن يتخصص في الإذن والحنجرة وأول طبيب يأخذ جنيهين للاستشارة الطبية بدلاً من جنية واحد, وكان جده الأخر بحاراً كما أسلفنا، إما جده لامه فقد كان مخترعاً في مجال السكك الحديدية، وكان عمه ارنولد توينبي الأكبر معلماً وأمينا لصندوق في كلية بالليول Bolliol في جامعة أكسفورد التي التحق بها توينبي عام 1907، إذ كانت مركز الليبرالية الجديدة تعنى بتنشئة نخبة "ذات موهبة استقراطية" يمكن أن تنفذ جدول إعمال ما بعد الليبرالية، وكانت هي النموذج المناظر لهارفادر الأمريكية، اذ كان خريجوها يتسلمون المناصب العليا في الدولة والمجتمع، في هذا الوسط الأرستقراطي المعتدل وفي كنف أسرة من الطبقة الوسطى، وفي بيئة ثقافية ليبرالية جديدة نشأ الطفل ارنولد نشأة سعيدة في أسرة مستقرة تنعم بالدعة والهدوء والرفاه المعتدل، وكانت أمه معلمة التاريخ الاسكتلندي قد أسهمت في توجيه اهتمام ابنها إلى دراسة التاريخ، فقد أشار فيما بعد إلى أن صحبته لامه كانت صحبة فكرية نادرة، وفي جوابه على سؤال كيف صرت مؤرخاً؟ قال توينبي "إنني مؤرخ لان أمي كانت من قبلي مؤرخة ولم يحدث يوماً إن شككت في أنني سأكون مؤرخاً"

وكانت أم توينبي قد الفت كتاباً مدرسياً في التاريخ يشتمل على قصص حقيقية من تاريخ اسكتلندا، كما كان تأثير عمه هاري فيه قوياً بآرائه المتحررة وشخصيته القوية، التحق توينبي في مدرسة داخلية في (وتون كورت، وقضى فيها ثلاث سنوات، ثم التحق بكلية ونشستر)، وأمضى فيها خمس سنوات (1902-1907) وفاز في نهاية دراسته بمنحة دراسية مكنته من مواصلة دراسته الجامعية في جامعة أكسفورد كلية بالليول من عام 1907-1911، إذ درس التاريخ القديم، وحصل على مرتبة الشرف وعين في تلك الكلية وأرسلته جامعة أكسفورد للدراسة في المدرسة البريطانية للآثار في أثينا مدة عام واحد 1912م، ورجع بعد ذلك إلى جامعته ويتذكر توينبي تلك المدة الباكرة من بداية حياته الجامعية في كتابه (تجارب) عام 1969م، اذ عدها تكملة لثقافته الكلاسيكية اليونانية الرومانية، التي درسها على يد جلبرت موري (1874-1936) ابرز الأساتذة الكلاسيكيين في عصره، الذي تزوج توينبي بنته فيما بعد، وقد درس توينبي اللغة اللاتينية وهو في السابعة من العمر ولمدة خمسة عشر عاماً، ودرس اليونانية القديمة وهو في العاشرة لمدة اثني عشر عاماً، وقد أتقن هاتين اللغتين اتقاناً تاماً، حتى انه نظم فيها قصائد أوردها في القسم الثالث من كتابه (تجارب) وقد استطاع أن يتعلم في المدرسة وفي الجامعة اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية واليونانية الحديثة، وان يلم بالتركية وبالعربية فيما بعد وقد كان اثر الثقافة الكلاسيكية في حياة توينبي الفكرية اثراً حاسماً كما سنرى فيما بعد.

يتضح من هذه الفرشة العريضة، أن نشأة توينبي وتربيته قد كونت الاتجاهات المستقبلية لحياته كلها، وهذه هي المرحلة الأولى من تكوين توينبي، إذ بد أن مستقبل توينبي مثل مستقبل بريطانيا مضمون، كتب توينبي فيما بعد في وصف السنوات الأولى من حياته قائلاً: "الإنجليزي من الطبقة المتوسطة الذي ولد سنة 1889 كان يظن "من السن التي أصبح يعي فيها العالم المحيط به حتى سنة 1914" إن الجنة الأرضية في متناول يده... كانت الأمور تبدو سنة 1897 وهي السنة التي احتفل بها البريطانيون باليوبيل الماسي للملكة فكتوريا التي تولت العرش سنة 1837، وكان العالم الذي ولد فيه قد تخطى التاريخ، إذ إن التاريخ كان معناه بمنتهى السذاجة. صفحة سابقة من الظلم والقسوة والألم التي تركتها الأمم "المتمدنة" خلفها إلى غير رجعة، كانت المدنية الغربية مدنية، وكانت فريدة. وكان قيامها وسيطرتها على العالم بمثابة مكافأتين حتميتين لخصائصها، والمدنية جاءت لتبقى ولذلك أصبح التاريخ ألان امراً عقيماً" هذه الثقة الهشة عند توينبي وجيله مزقها مقدم الحرب العالمية الأولى 1914.

في الواقع كان توينبي ينتمي إلى جيل من المثقفين المتحررين من الوهم... وكان التفاؤل الليبرالي للفيكتوريين الأوائل قد بدا يتبدد قبل أن يولد توينبي بوقت طويل وكان ذلك يرجع كما لاحظنا في مقدمة الفصل إلى الخوف من التدهور، الذي ألقى بشك خطير على مستقبل المجتمع المدني في العصر الصناعي، بل مستقبل الحضارة الغربية برمتها، وإذا كان الخوف من التدهور والانحلال قد دفع الليبرالية الإنجليزية للتقهقر، فان صدمة الحرب هي التي أكملت الطريق وكان عنوان قصيدة (ت. س. اليوت الشهيرة (الأرض الخراب) عام 1922م في نظر المفكرين الإنجليز خير معبر عن دولتهم وعن الحضارة الغربية التي دمرتها الحرب إذ بلغ ضحايا الحرب العالمية الأولى في بريطانيا نحو (702.410) كانت خسائر بريطانيا في النخبة من المجتمع على نحو غير متكافئ, ثلث طلبة "أكسفورد" في عام 1913م ماتوا في الحرب، كما أن موت كثيرين من شباب "بالليول" ألقى بظلال كئيبة على المؤسسة البريطانية(من هذه الصدمة الشديدة والشعور بالفقد والفجيعة، ستخرج أسطورة "الجيل الضائع" التي سكنت الثقافة الفكرية البريطانية وصنعت السياسة على مدى العقدين التاليين.

كانت الحرب العالمية الأولى لدى بريطانيا مثل ما ستكونه حرب "فيتنام" لدى الأمريكيين اذ كسرت معنويات النخبة السياسية، وعلى حد تعبير إحدى شخصيات رواية "الدوس هكسلي 1894-1963م" ( لقد تحطم قاع كل شي) كان توينبي احد الذين تحطموا كتب بعد ذلك "الوهم الذي كان لدي بأنني المواطن المتميز في عالم مستقر قد تبدد" بعد ذلك سوف تتغير نظرة توينبي إلى مجتمعه والى الحضارة الغربية كلها.

كان موقف توينبي من الحرب قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى هو الموقف التقليدي الذي يقوم على التسليم بضرورة الحرب من أجل الحضارة وان كان تسليمه يشوبه عدم الرضا ويغلب عليه الشعور بالذنب، لكنه بعد عام 1914 وبعد أن طحنت الحرب أكثر من نصف زملائه في الدراسة في بونشستر وأكسفورد اقتنع إن "الحرب ليست مؤسسة تستحق الاحترام ولا خطيئة عابرة بل هي جريمة"

لقد كان توينبي واحداً من أولئك المفكرين الذين يمزقهم القلق على مصير الحضارة الغربية، وكان السؤال الحارق الذي يلح عليه إذا كانت الإمبراطوريات القديمة قد اختفت، فان الإمبراطورية البريطانية لا يمكن إن تكون خالدة ؟ فما السبيل لكي ننجو؟

ورغم أن توينبي استطاع إن ينجو بنفسه من الحرب ويخرج منها دون أذى، وذلك بتشجيع أمه ومساعدة أصدقاء الأسرة من المتنفذين، تمكن من أن يتفادى الخدمة العسكرية بإعفاء طبي مزور، وبينما كان رفاق الجامعة يقاتلون ويموتون في جبهات القتال، كان توينبي آمنا في بالليول يتكلم عن التاريخ "الهلينستي" مع طلابه حول أكواب الشاي والجعة، ويكتب كراسة ينادي فيها بسلام يتم التفاوض من اجله، لدرجة انه، أصبح سلامياً ملتزماً، يكره كل ماله صله بالشجاعة القتالية أو بينهما فربما كان يعزز نفوره من الحرب وإبطالها.البطولة الوطنية، أو أيً من تلك المفاهيم القديمة ذات الصلة بالماضي الفكيتوري قبل الحرب، إما بقاء زوجته وفيةٌ لذكرى واحد من أبطال الحرب، وهو عشيقها السابق "روبرت بروك" الذي دق إسفينا دائما 

وفي شهر يناير من عام 1918 كان توينبي واحداً من جماعة "بلومزبري" Bloomsbury Group، أسسها وولف واصدقاؤهما وكان من بينهم برتراند رسل، ارسوا أسلوبا جديداً لحياة الطبقة البريطانية المثقفة بوهيميا من الناحية الاجتماعية إباحيا من الناحية الجنسية، راديكالياً من الناحية السياسية وسلامياً لدرجة كبيرة، وكان أنصار هذه الجماعة يحتجون ضد الحرب وقد سجن رسل بسبب ذلك

وعلى الرغم من أن توينبي لم يكن في أي وقت من الأوقات عضواً عاملاً في "جماعة بلومزبري" شارك في كثير من الأفكار التي تحمسوا لها بما في ذلك حماسهم للاشتراكية، كما حماستهم لفكرة الدولية Internationalism الجديدة التي انتشرت بين مثقفي أوروبا الليبراليين بعد الحرب، وفي عام 1919 حضر توينبي مؤتمر الصلح في فرنسا وأصبح مؤيداً شديداً لعصبة الأمم كما التحق في العام نفسه بدائرة الاستخبارات السياسية في وزارة الخارجية البريطانية، وهذا ما مكنه كما يقول من رؤية خلفية القرارات السياسية

على هذا النحو يمكن القول إن المرحلة الأولى من حياة توينبي قد انتهت بنهاية الحرب العالمية الأولى، باختفاء الرسالة الانجلوساكسونية العرقية بعد عام 1918م، وبعد إن ذوت فكرة الأيمان بالسيادة الإمبراطورية، لتحل محلها رؤية الإمبراطورية الليبرالية عن مجتمع دولي واحد.

 

المرحلة الثانية في حياة توينبي

  تبدأ هذه المرحلة في عام 1921م حين تم تعيين "توينبي" مديراً "للمعهد الملكي للشؤون الدولية" ومقره "تشانام هاوس" Chatham House في لندن، وعلى مدى العشرين سنة التالية، سيكرس "توينبي" جهده لتحرير ونشر مسح سنوي ضخم للشؤون العالمية إلى جانب كتاباته التاريخية الخاصة، فضلاً عن عمله أستاذا في جامعة لندن للغة البيزنطية واليونانية الحديثة وادابهما وتاريخهما، منذ عام 1919م حتى عام 1924م، ومن ثم أستاذاً للبحث العلمي في التاريخ العالمي في الجامعة نفسها من عام 1925م حتى 1955م

ويرى بعضهم أن توينبي ظل يعمل في "دارتشاتام" ثلاثة وثلاثين عاماً وكانت تساعده على تحرير "المسح السنوي للشؤون الدولية السيدة (فيرونيكابولتر) التي تزوجها عام 1946م بعد إن طلق زوجته الأولى (روزلند) ابنة أستاذه جلبرت موري التي أنجب منها ولده الناقد الأدبي فيليب، وابنه توفي الذي انتحر عام 1939م.

وفي عام 1921م قام توينبي بزيارة كريت في مهمة لحساب عصبة الأمم، ورأى مباشرة النتائج المروعة للقتال اليوناني التركي على الجزيرة. وقد ساعد ذلك على تقوية نزعته السلامية، كما زرع فيه رعباً من القومية لم يتركه أبدا، وقد كتب توينبي عما شاهده من جرائم مروعة ارتكبها اليونانيون ضد الأتراك، في جريدة (المانشستر جارديان) منتقداُ التعصب المسيحي الذي ظل ضد المسلمين حيا في عقول كثيرين ممن نبذوا المسيحية نفسها.

وفي عام 1922م نشر توينبي كتاب "المسالة الغربية في اليونان وتركيا"، أدان فيه الدبلوماسية الغربية والتسوية السلمية، واتخذ موقفاً محايداً من تركيا ومن اليونان، ولكن هذا الموقف لم يرق لليونانيين المقيمين في لندن الذين يسهمون في تمويل الكرسي الذي يحتله في تدريس الأدب اليوناني، فاضطروه إلى الاستقالة.

في الواقع يصعب التوفيق بين رأي صدقي عبد الله حطاب في موقف "توينبي" من الحرب اليونانية التركية، ورأي محمود زايد، الذي أكد أن توينبي كان يقول "بان عواطفة كلها كانت عام 1921م مع شعوب اليونان وبلغاريا والصرب والجبل الأسود في حروبها ضد تركيا للتخلص من سيطرتها.

في هذه المرحلة من تطور حياة توينبي بدأ التفكير بمشروعه الفكري الفلسفي التاريخي القادم، المشروع الذي اقترن، بالمسح السنوي للشؤون الدولية، وهو (دراسة التاريخ)، وبينما كان الأول بحثا عن الحاضر، كان الثاني بحثاً عن الماضي، وقد افاد العملان من بعضهما بعضاً، ويروى لنا توينبي فكره كتابه "دراسة التاريخ" التي استلهمها كما يقول من تعليق على الجوقة الثانية في مسرحية "انتيجونه" لسوفوكليس إذ كتب في إثناء سفره بالقطار من استانبول إلى لندن في 17 أيلول 1921 على نصف ورقة قائمة تضم نحو اثني عشر عنواناً، وقد ظلت هذه العنوانات، مع تغيير طفيف جداً، عنوانات الأقسام الثلاثة عشر في كتابه وبدأ يكسو هذه الدراسة لحماً في عام 1927م، غير أن البداية الجدية كانت عام 1930 وفي عام 1934م أصدر المجلدات الثلاثة الأولى من كتابه، وقبل الحرب العالمية الثانية بأحد وإربعين يوماً أصدر ثلاثة مجلدات أخرى، واستطاع إن يحتفظ بمذكراته الخاصة بالكتاب في نيويورك في إثناء الحرب التي شغلته فلم يبدأ بإعادة العمل ألا في عام 1947م وفي عام 1954م أصدر أربعة مجلدات أخرى هي تتمة الكتاب، وعاد وأصدر في عام 1959م المجلد الحادي عشر بعنوان "أطلس تاريخي ومعجم جغرافي" وفي عام 1961م أصدر المجلد الثاني عشر تحت عنوان "مراجعات"، وأصدر سومرﭭيل موجزاً للأجزاء الستة الأولى في عام 1946وموجزاً للأجزاء الأربعة التالية عام 1957م... وإصدار توينبي طبعة جديدة مختصرة ومنقحة ومصورة لكتابه، بالتعاون مع جين كابلان في مجلد واحد عام 1972م.

لقد كان توينبي ورفاقه متفقين مع نظرائهم الألمان في نقطة واحدة وهي أن الحرب العالمية الأولى كانت نهاية العالم الأوروبي القديم وبداية فجر نظام جديد، لكن ما هي صورة هذا القادم الجديد، لا احد لديه جواب عن ذلك السؤال.

لم تحطم الحرب العالمية الأولى الليبرالية التقليدية في انجلترا فقط، ولكنها وضعت مهنة التاريخ في حالة من الارتباك كتب المؤرخ الإنجليزي فيشر L. Afisher (1865-1944) في مقدمة كتابه "تاريخ أوروبا" عام 1934م "هناك رجال أكثر حكمة مني أدركوا أن التاريخ حبكة وإيقاع وأنموذج مقرر سلفاً، ولكن تلك التوافقات خافية على ما أراه فقط، هو حالة طارئة تتبعها حالة طارئة أخرى مثل موجة تتبع أخرى، ويعلق ادوار كار أن الإلحاح المتجدد للكتاب البريطانيين على أهمية المصادفة في التاريخ إنما يعود إلى نمو حالة عدم اليقين والقلق التي سادت مع مطلع القرن العشرين وأصبحت ملحوظة بعد عام 1914م، وعبارة فيشر التي استشهدنا بها، والتي يستشهد بها توينبي، كانت تُظهر خيبة أمله تجاه فشل الأحلام الليبرالية بعد الحرب العالمية الأولى"

 

 

واجه القرن التاسع عشر صدعاً فكرياً بين عقيدتين عقيدة التقدم وعقيدة التدهور، فاذا كانت فلسفة التقدم قد صورت التقدم، وكأنه قانون طبيعي ومسار تلقائي وحتمي للتاريخ فإننا نرى أن الصدع الفكري سوف يتسع منذ منتصف القرن التاسع عشر، إذ تبرز نزعتان قوتيان من التشاؤم التاريخي والتشاؤم الثقافي وتشيع فكرة الاضمحلال والتدهور وتنتقد بشدة فكرة التقدم الحتمي، في الثقافة الأوروبية والأمريكية على حد سواء.ويعبر عن التشاؤمية التاريخية بعض فلاسفة التاريخ نذكر منهم جاكوب بوركهات ورانكة, وارنولد توينبي.أما التشاؤمية الثقافية فقد وجدت هوى في قلوب عدد واسع من الفلاسفة أمثال (شوبنهاور ونيتشه وشبنجلر)، والمتشائم التاريخي يرى أن الحاضر يقوم بعملية تفكيك منظمة لمنجزات الماضي الخلاق المنظم. المؤسسات التي كانت دائما في توازن متوائم، تصبح ألان فاقدة للتزامن، والتطور الاجتماعي يصبح فوضى ودماراً، وفي الوقت نفسه، يصبح الأفراد عاجزين عن فعل أي شي لتجنب الكارثة الوشيكة وإذا لم يصلح النظام نفسه على نحو ما، فسوف يكون الاضمحلال حادثاً لا محالة، إذ يرفض رانكة فكرة التقدم الخطي أو القوانين التاريخية وكان يرى أن واجب المؤرخ هو كشف الماضي كما حدث بالفعل وان القضية الوحيدة المهمة في دراسة التاريخ ليست هي تقدم الحضارة تلك القضية الملتبسة دائما بل فهم حقيقة التاريخ الواقعية.ويرى بوركهات، “أن التقدم المادي سبب خراب الثقافة الرفيعة، وكان يقارن بين الحياة الحديثة والحياة في القرون الوسطى “حياتنا… بيزنس… حياتهم كانت حياة”, والثقافة الرفيعة والإبداع أصبح في منزلة منحطة في عالم يصبح فيه المال ويظل هو المقياس الأساس للأشياء”.بيد إن النقد الكاسح للحضارة الحديثة هو الذي جاء من اتجاه التشاؤمية الثقافية إذ يعلن شوبنهاور (1788-1860م) “ما كان يجب إن تكون الحياة هكذا” وان الهدف النهائي للإنسان العاقل في الحياة هو ما سماه “بوذا” بـ “النرفانا” أو “الخلاء”وهو انعتاق نهائي من الإرادة والرغبة التي تؤدي في النهاية إلى الانطفاء والموت. وان الفن والموسيقى تحديداً هو المنفذ الوحيد للخلاص.

ويذهب نيتشه بالتشاؤمية الثقافية إلى نتائجها القصوى إذ يعلن أن كل ماضٍ جدير بالإدانة، لان تلك هي طبيعة كل ما هو إنساني، وكان يرى إن الحياة الحديثة بقيمها الزائفة تستحق الموت لتحل محلها حضارة الإنسان الأعلى (رجال الإفتداء) “أفراد مختارون… مؤهلون للمهام الكبرى الخالدة أولئك الذين يملكون إرادة القوة، فان الحضارة كلها هي من صنع أصحاب القوة والسطوة الذين ما زالوا يمتلكون إرادة قوة لا تقهر وشهوة للسلطة، أولئك الذين انقضوا على الأجناس الأضعف”.على هذا النحو يبشر نيتشه بأخلاق البطولة والقوة والسلطة والسطوة ضد أخلاق العبيد، والتهذيب والمؤانسة والمسالمة والشفقة واليد الحنون الكريمة، والقلب الدافئ، والصبر، والمثابرة والتواضع… الأخلاق تنفي الحياة، ِ

إن التشاؤمية الثقافية هي الصورة النقيض للتشاؤمية التاريخية، مثلما فكرة الاضمحلال هي نقيض فكرة التقدم, المتشائم التاريخي يرى مزايا ومناقب الحضارة الحديثة واقعة تحت هجوم قوى شريرة ومدمرة، ولا إن تتغلب عليها، التشاؤمية الثقافية تزعم أن تلك القوى هي التي تشكل عملية التحضير من البداية لدى المتشائم التاريخي القلق، لان مجتمعه على وشك إن يدمر نفسه، المتشائم الثقافي يقول إنه يستحق التدمير.المتشائم التاريخي يرى أن الكارثة بادية في الأفق والمتشائم الثقافي يتطلع إلى الكارثة اذ يعتقد بأن شيئاً ما سوف يبزغ من بين رمادها.

إن هذه المشاعر المضطربة بالخوف والقلق من التفسخ والانحلال لم تكن أضغاث أحلام بل كانت نابعة من حقيقة ما كان يعتمل في السياق التاريخي الأوروبي الحديث، وما شهده من تفكك اجتماعي وزيادة حالة الفقر وسط الجموع الواسعة من الطبقات الاجتماعية، وبنهاية القرن كانت نظرية الانحلال قد هزت كثيراً من ثقة الليبرالية الأوروبية في التقدم والمستقبل، وتركتها مكشوفة لاعدائها، وبحلول تسعينات القرن التاسع عشر، كان هناك إجماع متزايد على أن مدى من الانحلال والتدهور كان يجتاح المشهد في أوروبا الصناعية، مخلفا حالة واسعة من والاضطرابات والظواهر السلبية من بينها زيادة نسبة الفقر والجريمة والمسكرات والانحرافات الأخلاقية والعنف السياسي… الخ. هذه الارتباكات التي تنمو وتشيع في مختلف البلدان بإنحاء متشابهة، هذه المظاهر المغلقة كانت قد وجدت من يعبر عنها من المثقفين التقدميين الإنسانيين الذين كانوا يخفون نزعة تشاؤمية ويتوجسون من مخاطر الانحلال والتفسخ.وقد ظهرت الحافة السوداء القاطعة لتلك النظرة التشاؤمية أول ما ظِهرت في بريطانيا عام 1869م، عندما نشر الأديب الإنجليزي “ماثيو ارنولد” (1822--1888م...