جوهرة البحار التي شبت عن الطوق: قراءة في خطاب التهميش والوصاية بين المهرة وسقطرى
منذ نعومة أظافري، وأنا أستمع إلى تلك اللازمة الأسلوبية التي طبعت الأدبيات السياسية في محافظتي المهرة، لازمة ظلت تتردد كصدى لحقب من التاريخ: "التهميش والإقصاء".
ثم جاءت فيما بعد عبارة أخرى التصقت بالخطابات السياسية حتى الغثيان: "المهرة شبت عن الطوق".
لكن اليوم، وبعد سنوات من التجاذبات السياسية والاجتماعية، أجد نفسي أمام مشهد مألوف يتكرر، لكن هذه المرة باتجاه مختلف.
فمن كان يردد دائماً أنه مظلوم، ها هو اليوم يمارس نفس منطق الوصاية تجاه الآخرين.
وكما يقول المثل العربي الأصيل: "من ظُلِم لا يظلِم"، فإننا نذكر البعض بأنه لا يحق لكم أن تقرروا مصير سقطرى من داخل غرفكم المظلمة والمظلّلة، فسقطرى أيضاً قد "شبت عن الطوق".
فهذه الجزيرة التي تُعرف بـ"جوهرة البحار" ليست أرضاً بلا أهل ولا إرادة.
إنها محافظة تمتلك سلطة تنفيذية قادرة، وتيارات حزبيه فاعلة، وشخصيات اجتماعية وسياسية معتبرة، وأدباء وشعراء أثروا الساحة الثقافية بمخزونهم الإبداعي. هؤلاء جميعاً استطاعوا أن يبحرو بهذه الجزيرة في عباب بحار السياسة بكل جدارة واستحقاق، وحققوا إنجازات تشهد لها الأرض والإنسان، إنجازات ربما فاقت بكثير ما حققه دعاة الوصايا الذين يريدون فرض رؤيتهم من خارج الجزيرة.
لذا فإن سقطرى وأهلها في غنى عن هذه الممارسات الوصاية التي تمارس ضدهم، ويا للعجب! فإنني أشعر بخجل شديد حينما أرى من يمارس دور الوصي عليهم اليوم باسم المهرة، تلك التي عانت وما زالت تعاني من ويلات التهميش و الإقصاء. وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن مع تبدّل الأدوار.
وتبقى العبارة التي تلخص هذا المشهد، وهي ما يمكن أن يقوله أبناء سقطرى لهؤلاء الاوصياء الجدد: "رمتني بدائها وانسلت".
فمن عانى من داء التهميش، كيف يتحول إلى من يهمش؟ ومن تألم من وصاية الآخرين، كيف يفرض وصايته على إخوته؟
إنها دعوة لإعادة النظر في خطابنا السياسي، وفهم أن التحرر الحقيقي لا يعني ممارسة الهيمنة على الآخرين، بل يعني الاعتراف بحقوقهم وقدراتهم وخصوصيتهم. فسقطرى لم تعد تلك الجزيرة النائية في خطاب السياسة، بل أصبحت فاعلة ومؤثرة، ولها كلمتها التي يجب أن تُسمع، لا أن تُختزل في قرارات تتخذ عنها وهي غائبة.
فكما أرادت المهرة أن تتحرر من وصاية الآخرين، فإن لأبناء سقطرى الحق ذاته في أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم، وأن يُحترم خيارهم دون وصاية أو إملاء.
وهذا هو جوهر العدالة التي إن طالبنا بها لأنفسنا، وجب أن نمنحها لغيرنا.
*عضو مؤتمر الحوار الوطني
عضو اللجنة التحضيرية بمجلس المحافظات الشرقية




