لا وصاية على الجنوب
إن رفع علم الجنوب في الرياض قد يبدو للبعض مشهداً سياسياً ذا دلالة رمزية، لكنه في الحقيقة ليس سوى محاولة مكشوفة لإعادة صياغة المشهد الجنوبي بعيداً عن إرادة شعبه الحقيقي.
هذا الحدث من حيث الشكل قد يراه البعض التفاتة سياسية، لكنه في الجوهر يمثل مسعى واضحاً لاختطاف القرار الجنوبي والالتفاف على الصوت الشعبي الذي انفجر في عدن كالتسونامي، رافضاً بكل وضوح أي هيمنة سعودية او وصاية خارجية على الجنوب العربي.
لقد عبر الشعب الجنوبي في ميادينه وساحاته عن موقف لا يقبل المساومة ولا التلاعب، موقف يؤكد ان الجنوب ليس ساحة لترتيبات سياسية تدار من العواصم البعيدة، ولا ورقة تفاوض في صراعات اقليمية.
الجنوب قدم تضحيات جسيمة ودماء غزيرة من اجل حريته وكرامته، ولن يسمح لاحد بان يختطف هذه التضحيات عبر مسرحيات سياسية شكلية.
إن العلم الذي رفع في الرياض ليس مجرد راية ترفرف في الهواء، بل هو رمز لتاريخ طويل من النضال والمعاناة والصمود هذا العلم ارتفع فوق اجساد الشهداء وكتب بدمائهم، ولا يجوز ان يتم توظيفه في مشاهد سياسية تهدف الى تمرير اجندات لا تخدم القضية الجنوبية. فالمكان الطبيعي لهذا العلم هو ارض الجنوب، حيث ينبض القلب الحقيقي للقضية، وحيث يصنع الشعب قراره بيده لا باملاءات الخارج.
عدن ليست مجرد مدينة عابرة، بل هي روح الجنوب ومركز قراره السياسي والوطني من شوارعها انطلقت الثورات، وفي ساحاتها تشكل الوعي الوطني، وعلى ترابها وباقي المحافظات سقط الشهداء دفاعاً عن الهوية والارض القرار الجنوبي لا يصنع في فنادق الرياض ولا في قاعات مغلقة، بل يصنع في الجنةب وبين الناس الذين دفعوا ثمن الحرية دماً وصبراً وتضحية.
إن محاولة نقل مركز القرار الى خارج الجنوب تمثل استهانة بارادة شعب بأكمله، ومحاولة لإعادة انتاج وصاية مرفوضة شكلاً ومضموناً. الشعب الجنوبي الذي واجه الحروب والاحتلال والتهميش لن يقبل ان تسرق قضيته بقرارات مطبوخة بعيداً عنه.
لقد قال الجنوبيون كلمتهم بوضوح لا لبس فيه، لا وصاية بعد اليوم، ولا شرعية تمنح من الخارج، ولا مستقبل يرسم دون الشعب
وأي مسار سياسي يمر عبر الرياض او غيرها دون ان يكون منطلقه عدن وارادة شعب الجنوب، ليس سوى محاولة بائسة لإنتاج شرعية كرتونية مصطنعة، لا تختلف كثيراً عن شرعية الحكومة الحالية المقيمة في الرياض، حكومة بعيدة عن شعبها، منفصلة عن واقعه، ومعزولة عن همومه ومعاناته اليومية.
الجنوب ليس ساحة لتبادل المصالح ولا ورقة في لعبة اقليمية، بل وطن له تاريخ وهوية وثقافة وتضحيات لا يمكن التفريط بها، شعبه ليس مجرد جمهور يتلقى القرارات، بل صاحب قضية راسخة يعرف طريقه جيداً، ويعرف ان الحرية لا تهدى بل تنتزع.
وما دام نبض الشعب حياً، وما دامت ساحاتها تعج بأصوات المطالبين بالحق والكرامة، فإن كل محاولات الالتفاف ستتحطم امام صلابة الارادة الشعبية.
التاريخ يعلمنا ان الشعوب التي تصنع قرارها بدمائها لا تقبل ان يحكمها احد من الخارج ولا تنخدع بالرموز الفارغة.
ختاماً نقولها بكل وضوح وقوة، القرار كان وسيظل من الجنوب، ومن الساحات وحدها يرسم مستقبل الجنوب، بعيداً عن الوصاية، وقريباً من ارادة شعبه الحر.




