عـودة السكينة العامـة "أول خطـوات التنمية والنمو الاقتصادي المسـتدام"
لا يمكـن لأي مشروع تنموي أن يرى النور في بيئة مضطربة، ولا لأي اقتصاد أن ينهض على أرضٍ تهتز فيها الطمأنينة ويغيب عنها الشعور بالأمان.
فالسـكينة العامة ليست ترفًا سياسيًا أو مطلبًا ثانويًا، بل هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه الدول، وتنطلق منه عجلة التنمية، ويتحقق في ظلها النمو الاقتصادي المستدام.
ونُـذكِّر هـنا بأن أيَّ رؤيةٍ للإصلاح أو الدعم - في أي مجالٍ من مجالات التنمية - لن تؤتي ثمارها إلا من خلال وجود الأمن والاستقرار، الذي يُمثِّل البيئة الطبيعية لأي نشاطٍ إنساني أو اقتصادي في أي مجتمعٍ كان.
"فبـدون هذه البيئة الحاضنة، تتحول الخطط الطموحة إلى حبرٍ على ورق، وتتبخر الاستثمارات وتضيع الطاقات"
إن عـودة السكينة إلى المجتمع تعني، قبل كل شيء، استعادة هيبة الدولة وسيادة القانون، بحيث يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن الواجبات موزعة بعدالة، وأن المؤسسات تقوم بدورها دون انتقائية أو تمييز؛ فحـين يسود القانون، يطمئن المستثمر، ويأمن العامل، وتستقر حركة السوق، وتُستعاد الثقة بين الدولة والمجتمع.
والسكـينة العامـة لا تُختزل في غياب السـلاح أو توقـف المواجهات فحسب، بل تتجسد في استقرار سياسي حقيقي، وإدارة رشيدة، وخطاب وطني جامع يطفئ نيران الكراهية ويعزز قيم التعايش والشراكة. فالأمـن النفسي والاجتماعي هو الوجه الآخر للأمـن الميداني، وبدونهما معًا لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو اقتصاد متماسك.
ومـن زاوية اقتـصادية، فإن رأس المال بطبيعته يبحث عن البيئات الآمنة والمستقرة، حيث تتوفر ضمانات الاستثمار، ووضوح السياسات، واستمرارية القرار.
"وكلـما طال أمـد الاضطراب، ارتفعت كلفة المخاطر، وتراجعت فرص النمو، واتسعت دوائر الفقر والبطالة، وتآكلت الموارد دون عائد تنموي ملموس"
كـما أن مكافـحة الفساد المالي والإداري لا يمـكن أن تؤتي ثمارها في بيئة تعج بالاضطرابات والفوضى، إذ إن حالات الاضطراب وانفلات النظام تشكل الحاضنة المثلى لتمدّد الفساد، وتمنح الفاسدين هامشًا واسعًا للتحرك بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.
فـالمجتمع المستقر وحده هو القادر على كشف مواطن الخلل، وتفعيل أدوات المحاسبة، وتمكين مؤسسات الرقابة من أداء دورها بكفاءة وشفافية، بما يضمن حماية المال العام وترسيخ مبادئ النزاهة.
كـما أن السكينة العامـة تفتح الباب أمام إعادة بناء الإنسان قبل البنيان؛ إذ تسمح بتوجيه الطاقات نحو التعليم والتأهيل والإنتاج، بدلًا من استنزافها في الصراعات والهواجس الأمنية؛ وحـين يشعر المواطن بالأمان، يتحول من متلقٍ للمساعدات إلى شريك في الإنتاج، ومن عبء على الدولة إلى رافعة من روافع الاقتصاد.
إن التنـمية المستدامة لا تقوم على حلول مؤقتة أو معالجات إسعافية، بل على استقرار طويل الأمد تُصان فيه الحقوق، وتُحترم فيه المؤسسات، وتُدار فيه الموارد بعقلانية ومسؤولية.
وكل ذلك يـبدأ بخـطوة جوهرية واحدة: "إعادة السكينة العامة إلى المجتمع، بوصفها المدخل الطبيعي لكل إصلاح، وأول الطريق نحو مستقبل اقتصادي مزدهر".
وعـليه؛
فـإن أي رؤيـة جادة للنهوض الاقتصادي يجب أن تضع السكينة العامة في صدارة أولوياتها، لا كشعار يُرفع، بل كسياسة تُطبَق، وإرادة تُترجم على أرض الواقع.
فحـيثما عـادت السكينة، عادت الحياة، وحيثما استقر المجتمع، وُلِد الأمل، وانطلقت مسيرة التنمية بثبات وثقة نحو الغد المنشود.
باخـتصار؛
لا مـفاوضة على حجر الأسـاس؛ فـكما أن البنيان ينهار إذا اهتز أساسه، فإن أحلام التنمية تتحطم على صخرة الاضطراب.
فلنـبدأ من حيث يجب أن نبـدأ: بالأمن والاستقرار؛ فـهو الوعاء الذي يحفظ كل جهودنا، والضمان الوحيد لتحويل الطموحات إلى إنجازات، والخطوط على الورق إلى واقع يعيشه كل مواطن.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 17. يناير. 2026م
.




