حين يقف الرجال… يصمت العبث



علي محمد سيقلي

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الأوطان بعدد الخطب ولا بضجيج الشعارات، بل بصلابة الرجال الذين يقفون حيث يجب أن يكون الوقوف. وهناك، في الجبهات، حيث تختبر الأرض أبناءها، يقف رجال الجنوب… بلا ضجيج، وبلا ادّعاء، ولكن بثبات يشبه الجبال.

رجال الجنوب لا يحملون السلاح بحثًا عن مجدٍ زائف، بل يحملون العقيدة؛ عقيدة الأرض التي لا تُساوَم، والكرامة التي لا تُؤجَّل، والحق الذي لا يُقاس بتوازنات السياسة ولا بضغط اللحظة. هم يعرفون جيدًا لماذا يقفون، ولأجل من، وإلى أين يجب أن تصل أقدامهم.

في الجبهات تُختصر الحكاية: إما أن تكون ابن الأرض، أو عابرًا فوقها.

إما أن تحميها، أو تتحدث عنها من بعيد.

هؤلاء المرابطون لم يأتوا ليصنعوا صورة، بل ليصنعوا موقفًا. لم ينتظروا تصفيقًا، ولم يراهنوا على مكاسب آنية. راهنوا فقط على شيء واحد: أن الجنوب يستحق، وأن التراجع خيانة، وأن الثبات هو اللغة الوحيدة التي تفهمها المعارك المصيرية.

وباختصار ووضوح:

لو كان هناك نصرٌ حقيقي على الأرض، لما احتاج إلى كل هذا الاستعراض في السماء. فالانتصارات الصادقة لا تحتاج سيلًا من الطلعات ولا ضرباتٍ مكثفة لتعويض عجزٍ ميداني، لأنها ببساطة تُرى وتُلمس. أما ما يُقاس بعدد الغارات، فغالبًا ليس نصرًا، بل ضجيج يحاول ستر فشل لم يتحقق له موطئ قدم على الأرض.

خلف كل رجلٍ في المتراس، شعبٌ كامل يضع ثقته في هذا الثبات. أمهات يعرفن أن أبناءهن في المكان الصحيح، وأطفال يتعلمون باكرًا أن الأوطان لا تُورَّث إلا محمية، ودماء سبقت تقول للجميع: هنا جنوبٌ لا يُؤخذ على حين غفلة.

وإن كانت الرياح تعصف، فإن الصفّ الموحّد هو الجدار.

وإن طال الطريق، فإن الصبر هو الوقود.

وإن تعقّدت الحسابات، فإن الحق أبسط من كل المعادلات.

اثبتوا…

فأنتم لستم وحدكم.

الأرض معكم،

والشعب خلفكم،

والتاريخ يكتب أسماءكم دون رتوش.

ارفعوا الرؤوس…

فالراية لم تسقط،

والعهد لم يُنكث،

والجنوب لا يُحرس إلا برجاله.

تحيةً لكم…

ولكل من اختار أن يكون حيث يكون الشرف،

نصرٌ يُولد من رحم الثبات،

وقريب… كما وعد الصادقون.