الدعوة الى مؤتمر حوار جنوبي جنوبي في الرياض فرصة سياسية لا تحتمل التكرار
في توقيت بالغ الحساسية، تأتي استجابة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي لمناشدة المكونات الجنوبية، وتقدّمه بطلب إلى المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، كخطوة سياسية مهمة تحمل في طياتها فرصًا حقيقية، إذا ما أُحسن استثمارها، وخرجت عن إطار المجاملات السياسية وتكرار المسارات السابقة التي لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
إن أهمية هذه الدعوة تتعزز بالدعم والإسناد من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، لما تمثله هذه الدول من ثقل سياسي ودور محوري في دعم استقرار اليمن عمومًا، والجنوب على وجه الخصوص. ويعكس احتضان الأشقاء لمثل هذا المؤتمر حرصًا صادقًا على الدفع نحو مسار سياسي جاد ومسؤول، يُفضي إلى حلول واقعية ومستدامة، بعيدًا عن الشعارات والمعالجات المؤقتة.
غير أن هذا الدعم الإقليمي يضع على عاتق المكونات الجنوبية مسؤولية مضاعفة، تتمثل في تقديم نموذج ناضج للحوار، يرتقي إلى مستوى الثقة الممنوحة، ويُحسن استثمار هذه الرعاية الأخوية في بناء توافق جنوبي حقيقي، يخدم تطلعات المواطن، ويعزز فرص الاستقرار والسلام.
إن جوهر هذه الدعوة يجب ألا يكون عودة إلى “المربع الأول”، أو إعادة إنتاج لمسارات حوارية سابقة لم تُترجم مخرجاتها إلى واقع عملي. فالجنوب شهد العديد من المؤتمرات، من مؤتمر الحوار الوطني، إلى مؤتمر القاهرة، مرورًا بكيانات سياسية متعددة، دون أن ينعكس ذلك على معالجة حقيقية للقضية الجنوبية أو تحسين أوضاع المواطنين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز أو تهميش عدن، بتاريخها الإنساني والسياسي، ومكانتها الوطنية، وقضية أبنائها. فالإشكالية الأبرز التي يجب معالجتها تتمثل في الغياب المتكرر للمكونات العدنية، وإقصائها من الحضور السياسي وصناعة القرار، رغم أن عدن تمثل العاصمة المؤقتة للدولة، وقلبها السياسي والاقتصادي، وتتحمل العبء الأكبر من الأزمات وانهيار الخدمات.
لقد كانت عدن، عبر مختلف المنعطفات السياسية، مدينة تتجاوز المحن وتنهض لإعادة رص صفوفها، في ملحمة إنسانية وثقافية واجتماعية وأخلاقية، كان الإنسان فيها محور الاهتمام. وإن إنصاف عدن اليوم لا يُعد مطلبًا فئويًا، بل خطوة أخلاقية وسياسية ضرورية، تمهّد الطريق لإرساء ثوابت وقيم وطنية، سيكون المستفيد الأول منها الأجيال الشابة، كدروس في بناء دولة مدنية تتسع لجميع أبنائها، دون هيمنة أو إقصاء.
كما لا يمكن تبرير ما تعانيه المحافظات المحررة من تدهور حاد في الخدمات الأساسية بحجة غياب الاصطفاف الجنوبي–الجنوبي فقط. فالمسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة ومؤسسات الدولة، بصفتها الجهة المسؤولة قانونًا وأخلاقيًا عن إدارة شؤون المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية.
نحن مع أي حوار جنوبي–جنوبي حقيقي، قائم على الشراكة والعدالة ونبذ الإقصاء، ويهدف إلى توحيد الصف الجنوبي، لكننا في الوقت ذاته نرفض أن يكون الحوار بديلًا عن مسؤوليات الدولة، أو غطاءً لاستمرار الفشل في إدارة ملف الخدمات ومعيشة الناس.
إن نجاح أي حوار جنوبي شامل يتطلب مشاركة فاعلة للمجلس الانتقالي الجنوبي، لما يمثله من ثقل سياسي وجماهيري، ولما راكمه من تجربة سياسية خلال السنوات الماضية. كما يتطلب إشراك بقية المكونات الجنوبية ضمن إطار تشاركي جامع، يسهم في بلورة مشروع جنوبي موحد، قائم على الشراكة السياسية الواسعة، والتوافق، واحترام التعدد، بعيدًا عن الإقصاء أو التفرد بالقرار.
وتمثل هذه الرؤية رسالة واضحة إلى اللجنة التحضيرية للمؤتمر، بضرورة ضمان مشاركة جميع المكونات الجنوبية دون استثناء، وعلى وجه الخصوص المكونات العدنية، إذ إن أي مؤتمر يُبنى على الانتقاء أو التمثيل غير العادل، سيُفرغ الحوار من مضمونه، ويعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي عانى منها الجنوب سابقًا.
إن شمولية المشاركة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لنجاح أي مسار حواري جاد، لأنها تعزز الثقة، وتمنح مخرجات المؤتمر شرعية حقيقية، وقابلية للتنفيذ، وتعكس الإرادة الشعبية لأبناء الجنوب بكل تنوعهم السياسي والاجتماعي والجغرافي.
كما أن من أهم استحقاقات أبناء عدن، وكل المشاركين في أي لقاء تشاوري، ضرورة تحديد المفاهيم والمصطلحات لأي مشروع سياسي تحديدًا واضحًا ودقيقًا، بما يضمن توفير الضمانات اللاحقة في مسار النضال لاستعادة الدولة، إذ إن غموض الرؤية والمفاهيم كان أحد أبرز أسباب تعثر تحقيق المطالب الجنوبية خلال المراحل السابقة.
ختامًا، فإن تكتل نشطاء عدن يتطلع إلى أن تكون هذه الخطوة مدخلًا لمصالحة جنوبية مسؤولة، واصطفاف جنوبي–جنوبي واعٍ، يضع مصلحة المواطن ومعاناته اليومية في صدارة الأولويات، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة، وتحمل المسؤولية، وبناء دولة قادرة على خدمة جميع أبنائها.
* ناشط سياسي
رئيس تكتل نشطاء عدن




