بين القصف والاتفاق:من يعيد كرامة دم شهداء الجنوب قبل السياسة؟
رحم الله من استشهدوا بالقصف السعودي في حضرموت والمهره، رحم الله أرواحًا خرجت وهي تؤدي واجبها ولم تعد، رحم الله دماءً سالت بلا ذنب سوى أنها كانت في الميدان، ونسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء، وأن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان، فالدعاء لهم واجب لا يُسقط حقًا ولا يُغطي خطأ.
لكن الدعاء وحده لا يكفي، ولا يجوز أن يكون ستارًا لتجاوز ما حصل، فما حدث خطأ جسيم لا يمكن القفز فوقه، وهو خطأ مشترك بين من اعطى اوامر القصف من الجانب السعودي وقيادة المجلس الانتقالي التي لم تنسق ولم تظهر اهتماما كبيرا لارواح الجنود المؤتمنين عليها.
ولأن الطرفين اليوم يريدان العودة إلى الشراكة من جديد، أو اقلها الاتفاق، ومن يطلب الشراكة او الاتفاق فليتحمل مسؤولية الدم الذي سقط بدون ادنى مبرر او اعذار.
فالتضحية روح خرجت ولم تعد،وأم صبرت ولم تر ابنها الا جثة هامده، وأطفال كبروا فجأة بدون والدهم، الذي هو جندي بسيط وثق وذهب وهو يعلم أن الموت أقرب من الرجوع ولكن ليطعم اولاده مما هو مقرر له من نفس التحالف الذي قصفه بغض النظر هي السعوديه او الامارات فالخطأ مشترك بينهم وهم يشتركون في التحالف وليسوا اعداء.
فكيف نقابل هذه التضحيات الجسيمه من نفس التحالف بسبب خلاف بين دولتين بالتجاهل أو التبرير لدماء الجنوبين، وكيف نطلب من غيرهم من الجنود أن يطمئنوا ويذهبوا لتأمين حضرموت ، ونحن لم نُحسن الوفاء لدماء من سبقوهم؟
ولذلك إن الوفاء الحقيقي يبدأ بمطالب واضحة لا تحتمل الالتفاف وهي ان لمسنا عين الحقيقة تاتي هذه المطالب قبل ان يتم اي اتفاق الا وهي ك التالي :
أولها: الانسحاب الكامل لكل القوات التي دخلت حضرموت، وتسليم حضرموت والمهرة للقوات الجنوبية، وهي ستتعامل مع الخارجين عن القانون او المتمردين الذين استولوا على مواقع النفط، لأن الأمن لا يُفرض من الخارج، ولا يُبنى بقوات غريبة عن الأرض، بل بأبنائها الذين يعرفونها ويدافعون عنها.
المطلب الثاني إعادة شراء كل الأجهزة والأسلحة التي تم تدميرها أو سرقتها، وإعادة أي معدات نُهبت نتيجة الانسحاب القسري والانفلات الأمني، والذي استغلته قبائل الشمال في السلب والنهب، فلا يُعقل أن يُطلب من القوات الجنوبية الذاهبة لحضرموت بالقتال بلا أدوات، ولا أن تُترك مكشوفة بعد استهداف قدراتها، فهذا إخلال صريح بأي حديث عن شراكة أو تطبيع أمن واستقرار.
المطلب الثالث: يجب إصلاح كل ما تم تخريبه في حضرموت،من اجهزة المطار إلى المرافق الحكومية والمنشآت العامة، وتعويض كل مواطن تضرر أو نُهبت تجارته أو مستودعه، فالأمن والاستقرار لا يُبنى فوق خراب الناس، ولا تُستعاد الثقة مع بقاء الضرر بلا جبر، وحقوق المدنيين لا تقل عن حقوق الجنود.
أما المطلب الأخلاقي قبل أن يكون سياسيًا لتعود الثقة الشعبية، فهو تعويض أسر الشهداء والجرحى الذين غُدر بهم تعويضاً يليق بجلالة وقدر المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الامير محمد بن سلمان حفظه الله تعالى ،وصرف راتب شهري لكل أسرة شهيد وجريح،بمبلغ ١٠ ألف ريال سعودي شهريًا،على نفقة المملكة العربية السعودية المسؤولة عن هذا القصف وعلى نفقة من تسبب بذهابهم الى حضرموت وهي الامارات التي كان يظنها الجنوبيين على تنشيق كامل مع المملكه العربيه السعوديه بحكم انهم شركاء في تحالف واحد، فالدم قبل السياسة، والوفاء قبل أي شراكة أو تفاوض.
والثقة الشعبية الجنوبية ستعود حتما عندما يتم جبر الضرر وإصلاح الكسر وتعويض الشهداء والجرحى تعويضًا عادلًا ومنصفًا،لأن شعب الجنوب شعب طيب مقدام يسامح ويصفح عند المقابله بالطيب، وما دون ذلك فسيظل الجرح حاضرًا في الاذهان وغائراً في النفوس، وسيظل أثره قائمًا،ولن يكون هذا في صالح دول الخليج عمومًا في نظر المواطن الجنوبي.
ولأننا شركاء في كثير من الامور ربنا واحد ونبينا واحد وديننا الإسلامي واحد وعقيدتنا التوحيد وكتابنا القرآن واحد ،واهدافنا واحده ومصيرنا واحد، ولا يمكن لعلاقة متينة وأخوية بهذا العمق أن تُبنى على ألم غير مُعالَج أو دم غير مُنصَف.
وحين تعود الشراكة بعد تحقيق هذه المطالب الشعبية العادلة،فستعود على أصولها الصحيحة،راسخة وقوية،وومضمونة لعهود طويلة قادمة بإذن الله،شراكة لا تهزّها الأزمات ولا تكسرها العواصف،وقادرة على مواجهة المخاطر التي تحيط بنا جميعًا بإذن الواحد الاحد.
والقائد الذي يفقد جنوده،ثم نراه يهرول بحثًا عن ضمانات لنفسه قبل أن ينصف من ضحّوا معه، عليه أن يتنحّى احترامًا لدماء الشهداء وتقديرًا لحساسية الموقف.فالخطأ وارد في كل عمل،لكن حين يكون الخطأ جسيمًا ومكلفًا بالدم،فإن المسؤولية تفرض أن تُستبدل القيادة بقيادة متمرسة،واعية بثقل القرار،لا تتحرك بعشوائية ولا تُدار بالارتجال،لأن دم الجنود ليس مساحة للتجربة،ولا الميدان ساحة للأخطاء القاتلة.
هذا والله من وراء القصد.
*اكرم صالح القعيطي*
*٦/يناير/٢٠٢٦م*




