تحـديث البرامـج المـهنية والأكاديـمية "طريـق آمـن لانتشال الشـباب من دوّامـة الصـراع"
لـم يكـن انجراف آلاف الشباب نحو السلاح خيارًا حرًّا بقدر ما كان نتيجة فراغٍ قاتل؛ فراغٍ في الفرص، وفراغٍ في الأفق، وفراغٍ في المعنى.
وحـين يغيب التعليم القادر على مواكبة الواقع، ويتراجع التأهيل المهني والأكاديمي عن ملامسة احتياجات السوق والحياة، يصبح الصراع السياسي هو البديل الوحيد المعروض أمام جيلٍ يبحث عن دور، ولو كان ذلك في قلب النار.
إن تحـديث البرامج المهنية والأكاديمية في قطاع التعليم ليس ترفًا إصلاحيًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، تمثّل خط الدفاع الأول في معركة إنقاذ الشباب من الوقوع فريسةً للصراعات العبثية.
فـ الشـاب الذي يجد نفسه في معملٍ حديث، أو قاعة دراسة متطورة، أو برنامج تدريبي يمنحه مهارة حقيقية، يكون أقل قابليةً لأن يُستدرج إلى ساحاتٍ لا يعرف لماذا دخلها، ولا لصالح مَن يخوضها.
لـقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن التعليم المرتبط بسوق العمل، والقائم على الكفاءة لا على الشعارات، هو الأداة الأنجع لإعادة توجيه الطاقات الشابة من أدوات صراع إلى روافع بناء.
فـ المـعرفة حين تكون عملية، والمهارة حين تفتح باب رزق كريم، تتحول مناهج التعليم إلى جدار صدٍّ في وجه خطاب العنف، وإلى بديلٍ واقعي عن وهم البطولة الزائفة التي تروّج لها الصراعات السياسية بين أوساط الشباب.
ولا يمـكن الحـديث عن تحييد الشباب عن دوّامة الصراع دون الاعتراف بأن كثيرًا ممن أُزهقت أرواحهم لم يكونوا أصحاب مشروع حرب، بل ضحايا غياب مشروع حياة؛ فحـين تعجز المؤسسات التعليمية عن التجدد، ويُترك الشباب بلا تأهيل ولا أمل، يصبح السلاح لغةً سهلة، والانخراط في الصراع طريقًا قصيرًا نحو شعورٍ زائف بالانتماء والجدوى.
إن المـطلوب اليوم ليس مجرد إعادة فتح المدارس والجامعات، بل إعادة تعريف دورها؛ لتكون فضاءاتٍ لإنتاج المهارة، ومصانع للأمل، ومراكز لتشكيل وعيٍ نقدي يرفض الاصطفاف الأعمى ويختار طريق العمل والمعرفة؛ تعـليم يربـط الطالب بواقعه، ويمنحه أدوات العيش الكريم، لا تعـليم يلقّنه دروسًا لا تنقذه من البطالة ولا تحصّنه من الاستقطاب.
"وفـي جـوهر الأمر، فإن تحديث البرامج المهنية والأكاديمية هو استثمار في السلام أكثر مما هو استثمار في التعليم"
إنه قـرار سـياسي شجاع يختار إعادة الشباب إلى معامل الإنتاج وقاعات الدراسة، بدل تركهم وقودًا لصراعات لا تنتهي، وهو الطريق الأصدق لوقف نزيف الأرواح وبناء جيلٍ يرى مستقبله في الحياة، لا في ساحات الموت.
فـ الأوطـان لا تُنقذ بالشعارات، بل بالمعرفة، ولا تُبنى بالسلاح، بل بالعقول التي وُجدت لتتعلّم، وتُبدع، وتعيش.
وفـي الأخير نقـول؛ لا يمـكن فصل مصير الأوطان عن مصير شبابها، ولا عزل السلام عن قاعات الدراسة وورش العمل.
"فـ كل شـاب يُعاد إلى مقعد التعليم، أو يُمنح مهارة تحميه من البطالة والتهميش، هو طلقة أقل في صدر الوطن، وخطوة أبعد عن هاوية الصراع"
إن تحـديث البرامـج المهنية والأكاديمية ليس مجرد إصلاح تعليمي، بل قـرار سـيادي يعيد توجيه البوصلة من ثقافة الاحتراب إلى منطق الحياة.
لـقد آن الأوان أن يُفهم التعليم بوصفه أداة تحصين وطني، لا بندًا ثانويًا في موازنات مُنهكة، وأن يُنظر إلى المعلّم والمهني والباحث باعتبارهم خط الدفاع الأصدق في مواجهة العنف؛ فحـين يُستثمر في العقل، ينحسر نفوذ السلاح، وحين تُفتح أبواب المستقبل، تُغلق تلقائيًا أبواب الموت.
إن إنـقاذ الشـباب من دوّامـة الصراع لا يبدأ من المـتاريس، بل من المناهـج، ولا يُدار بالشعارات، بل بالبرامج الواقعية التي تمنح الإنسان سببًا ليختار الحياة، ومن لا يضع التعليم في صدارة مشروعه السياسي، سيظل يدور في حلقة الدم ذاتها، مهما غيّر من الوجوه وبدّل من الخطابات.
فـ التعـليم الحديث ليس طريقًا موازيًا للسلام، بل هو السلام نفسه حين يُصاغ بعقل، ويُحمَل بإرادة، ويُمنح للشباب بوصفهم مستقبلًا… لا وقـودًا.
د. هـاني بن محمد القاسمي
مستشار رئيس جامعة عدن للشؤون الأكاديمية
عـدن: 3. فبراير. 2026م
.




