السعودية في اليمن: حين تفرض الجغرافيا منطقها...
بقلم/ د. عبدالرحمن محمود المشرعي
أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي – اليمن...
سادت في الإعلامين الإقليمي والدولي روايات متباينة حول دور المملكة العربية السعودية وتواجدها في اليمن، وأثارت هذه الروايات تساؤلات واسعة لدى المهتمين، وقلقًا لدى بعض الدول، سواء الإقليمية منها أو العالمية.
وقبل الخوض في تفاصيل هذا الدور، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه:
هل كان التدخل السعودي في اليمن، منذ اندلاع الحرب في 2015 التي فرضتها المليشيات الحوثية بانقلابها على الدولة والشرعية، تدخلًا فرضته الضرورة، أم تدخلًا اختياريًا عبثيًا هدفه بسط النفوذ؟
وبعبارة أوضح: هل قررت السعودية فجأة خوض حرب خارج حدودها، أم وجدت نفسها أمام مشروع إقليمي معادٍ استقر على خاصرتها الجنوبية، عبر انقلاب مسلح أطاح بجارتها الدولة اليمنية، مزود بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وسيطر على المقدرات العسكرية لليمن التي كانت تُعد من بين الأقوى عسكريا في المنطقة؟
وللإجابة على السؤال السابق قد تختلف القراءات، وتتباين المواقف، لكن هناك واقع لا يمكن تجاهل معطياته؛ فاليمن، بحكم التاريخ والمكان، يشكّل العمق الجنوبي للأمن السعودي. ومن يقرأ المشهد بواقعية يدرك أن أمن السعودية لا يبدأ من حدودها الإدارية، بل من محيطها الجغرافي المباشر. وترك هذا العمق يسقط بيد مليشيات مسلحة خارج إطار الدولة لم يكن خيارًا منطقيًا، ولا يمكن لأي دولة تحترم مفهوم السيادة أن تقبل به.
كما أن الحديث عن اليمن بمعزل عن موقعه الجغرافي حديث منقوص. فباب المندب ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي للتجارة العالمية. وتهديده لا يطال السعودية وحدها، بل ينعكس مباشرة على أمن الطاقة والتجارة الدولية. وفي هذا السياق، يصبح الدور السعودي جزءًا من مسؤولية إقليمية تتجاوز الحسابات الضيقة.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن سقوط اليمن لم يكن ليبقى داخل حدوده، بل كان سيطال الجميع دون استثناء. بل إن هذا الانقلاب أعلن عداءه الصريح للمملكة ودول الجوار، وكشف بوضوح عن أهدافه الأيديولوجية وتطلعاته التوسعية، مؤكدًا أن حدوده لن تقف عند حدود اليمن. وهو ما يعني، ببساطة، أن اليمن كان مرشحًا للتحول إلى منصة تهديد دائمة للمنطقة، وأن الصراع لن يبقى داخل حدوده، بل سينتقل إلى عمق الأراضي السعودية.
وقد اتضح جليًا أن الصراع في اليمن ليس معزولًا، بل هو جزء من صراع أوسع على النفوذ في المنطقة، يرتبط بما يجري في العراق وسوريا ولبنان، في إطار تمدد المشروع الإيراني الذي بات يشكّل خطرًا وجوديًا على دول المنطقة.
ولا يمكن، في هذا السياق، فصل ما يجري في اليمن عن هذا الصراع الإقليمي الأشمل. فالمملكة واجهت في اليمن مشروعًا قائمًا على توظيف المليشيات لفرض النفوذ وتغيير موازين القوى. وكان الخيار واضحًا: إما المواجهة اليوم، أو دفع كلفة أكبر غدًا، في معادلة لا ترحم المترددين.
ومن هنا، وجدت السعودية نفسها في مواجهة مفتوحة دفاعًا عن التوازن الإقليمي، لا عن حدودها فقط؛ دولة دفعتها الجغرافيا، وفرضت عليها التحولات الإقليمية، أن تتحرك دفاعًا عن أمنها واستقرار محيطها.
إن ترك اليمن فريسة سهلة للسيطرة الإيرانية كان سيعني اختلالًا استراتيجيًا طويل الأمد في الجزيرة العربية والبحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن المنطقة بأكملها.
وخلاصة القول:
إن حرب السعودية في اليمن لم تكن مغامرة، بل خيار الضرورة في لحظة غياب البدائل. قد تُراجع الأدوات، وتتغير التكتيكات، لكن الثابت أن المملكة خاضت هذه المعركة لأنها رأت في سقوط اليمن خطرًا مباشرًا على أمنها وعلى استقرار المنطقة برمتها. وبين ضجيج الشعارات، يبقى السؤال الحقيقي مطروحًا: ماذا كان سيحدث لو لم تتدخل السعودية؟...




