( أ..ك ) سيرةُ ظلٍّ يمشي في الضوء...
بقلم الكاتب / الدكتور علي عفيفي الاهدل ..
لم يكن أ.ك يومًا في مقدّمة الصفوف حين كانت الطرقاتُ ضيّقة، والرصاصُ أقربَ من الكلام، والاختيارُ بين الوقوف والسقوط مسألةَ شرفٍ لا حساب. كان حاضرًا في الهامش، متأهبًا لا للفعل، بل للتوقيت؛ يراقب المشهد بعينٍ باردة، ويقيس المسافة بين الخطر والظهور، فإذا انقضت العاصفة، خرج كما يخرج المتأخرون إلى الولائم بعد أن يبرد القدر.
تعرفتُ إلى أ.ك بوصفه صديقًا لشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله قائده ؛ هكذا يبدأ هذا النوع دائمًا. يقترب باسم الود، ويصافح باسم القضية، ويتحدث كثيرًا عن “نحن”، حتى تظن أن الجمعَ صادق، وأن الطريق واحد. تمنحه وقتك، وتفتح له بابك، وتقرّبه من قلبك، فيتعلّم منك الطريق… لا ليكمله معك، بل ليصل قبلك إلى المنصة بكل رخص وبيع.
أ.ك لا يحب الصدام، لكنه يعشق نتائجه. لا يدخل معركةً إلا بعد أن تنتهي، ولا يرفع صوته إلا حين يخفت صوت الرصاص. هو ابن اللحظة الآمنة، وسليل الفراغ الذي يخلّفه الشجعان. تراه فجأة ممسكًا بالميكروفون، يتحدث بثقة من لم يكن هناك، ويحلّل بتفصيل من لم يدفع ثمنًا. يوزّع الأدوار، ويمنح الأوسمة، وينسى – أو يتناسى – من حملوا الجراح بدل الكلمات.
يدّعي القيادة، وكأن القيادة لقبٌ يُعلّق على الصدر، لا حملٌ يُكسر به الظهر. يريد أن يكون الآمرَ الناهي، لا لأنه الأجدر، بل لأنه الأظهر والغبي. فإن سألته: أين كنت؟ أجابك بعباراتٍ مطاطية عن الحكمة والتريّث. وإن واجهته بالفعل، احتمى بالمصلحة، فالمصلحة عنده معبودٌ صغير، لا يُخاصم، ولا يُراجع.
البخل في قاموس أ.ك ليس نقصًا، بل “إدارة موارد”. لا يعطي إلا إن عاد العطاء عليه بربحٍ مضاعف: صورة، نفوذ، اسم متداول. أما حين يكون العطاء دمعة أم، أو حاجة أسير، أو حق رفيق، فإن الحسابات تطول، والذرائع تكثر، والوقت لا يكون مناسبًا أبدًا. حتى الرفاق الذين شاركوه الطريق، يصبحون أرقامًا في ملف، وأحيانًا وسائل ضغط، وأحيانًا مصادر منفعة.
أقسى ما في أ.ك أنه لا يرى الوجوه، بل يرى الاستخدام. لا يرى الأم الثكلى، بل يرى المشهد. لا يرى الأسير، بل يرى ما يمكن أن يُقال عنه. يتعامل مع المأساة كخبر، ومع الألم كفرصة، ومع القضية كسلّم. فإن صعد درجة، ركل ما تحت قدميه دون تردّد.
في منطقته، لو سألت الناس عنه سرًّا، لوجدت الإجابة واحدة وإن اختلفت الكلمات: رجل يتقلب حيث تميل الريح. لا ثبات له إلا على مصلحته، ولا وفاء له إلا لصورته. يبغضه الناس لا لأنه قوي، بل لأنه انتهازي؛ لا لأنه حاضر، بل لأنه بلا جذور. فالناس قد تغفر الضعف، لكنها لا تغفر الخداع.
أ.ك يحب الهيلمان؛ يحب أن يُستقبل، أن يُنادى، أن يُقدَّم قبل غيره. يضيق صدره إن غاب اسمه، ويضطرب إن لمع نجم سواه. وحين يُحاصر بالحقيقة، يلبس ثوب الحكيم، ويتحدث عن تعقيد الواقع، وكأن الواقع لم يُصنع بدماء البسطاء الذين تجاوزهم في الطريق.
هذا المقال ليس تصفية حساب، بل كشف نمط. لأن أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس خصومها الواضحين، بل أولئك الذين يتسللون إلى داخلها، يلبسون لغتها، ويتاجرون بوجعها، ثم يقدّمون أنفسهم قادةً بعد أن يكون الثمن قد دُفع بغير أيديهم.
أ.ك سيظل موجودًا ما دام الصمت يحيط به، وما دام الميكروفون أعلى من الموقف، وما دام الظهور يُكافأ أكثر من التضحية. لكن التاريخ – وإن تأخر – لا يحفظ إلا أسماء من مشوا في النار، لا من انتظروا حتى تخمد.
أما تهامة، وكل أرضٍ تشبهها، فلن ينهض بها من يحب المشهد، بل من يحتمل الكلفة؛ لا من يُمسك الميكروفون، بل من يثبت حين يسقط الجميع.
أ.ك أ.ك أ.ك مزعج...




