من يحكم تهامة ؟ الدولة أم من يعتقد أنه الدولة ؟...
في الدول التي تسير نحو الاستقرار، يكون الجواب عن سؤال “من يحكم ؟” بديهيًا الدولة بمؤسساتها الدستورية والقانونية. أما في الدول التي أنهكتها الحروب وتفككت فيها مراكز القرار، فإن السؤال ذاته يتحول إلى إشكالية سياسية وأخلاقية عميقة، كما هو الحال في تهامة اليوم. تهامة، هذه الجغرافيا اليمنية الثقيلة بتاريخها والمهمّشة سياسيًا، تعيش حالة ملتبسة من السلطة سلطة الدولة الرسمية من جهة، وسلطة أمر واقع من جهة أخرى. وبين الاثنتين، يقف المواطن التهامي حائرًا لمن يحتكم ؟ ومن يقرر مصيره ؟ من الناحية الشكلية، تخضع الأجزاء المحررة من تهامة لسلطة مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه أعلى سلطة تنفيذية في البلاد. لكن الواقع العملي يكشف أن حضور الدولة في هذه المناطق غالبًا ما يكون رمزيًا، بينما القرار الفعلي، أمنيًا وإداريًا واقتصاديًا، يتمركز بيد قائد المقاومة الوطنية العميد طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي نفسه. وهنا لا تكمن الإشكالية في وجود قوة عسكرية منظمة، فالدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى قوى تحفظ الأمن، بل في تحول هذه القوة إلى بديل عن الدولة، لا ذراعًا من أذرعها. أن يكون العميد طارق صالح عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي وقائدًا عسكريًا في آن واحد، فذلك يضعه في موقع استثنائي، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب لتضارب خطير بين الدولة والشخص. فهل تُدار تهامة بقرارات تصدر من مؤسسات الدولة ؟ أم بتوجيهات تصدر من غرفة عمليات عسكرية ؟ المشكلة لا تتعلق بالنوايا المعلنة، بل بالنتائج الواقعية إدارات محلية بلا استقلال فعلي ! قرارات مركزية لا تمر عبر القنوات القانونية ! غياب تمثيل حقيقي لأبناء تهامة في صناعة القرار ! تهميش الصوت المدني لصالح الخطاب العسكري ! كل ذلك يعزز شعورًا متناميًا بأن هناك من لا يحكم باسم الدولة، بل يتصرف وكأنه الدولة نفسها. الخطر الأكبر في هذا النموذج من الحكم أنه يحوّل المناطق المحررة من مشروع دولة إلى مناطق نفوذ، ويحوّل التضحيات التي قُدمت لتحرير الأرض إلى مبرر للهيمنة عليها سياسيًا وإداريًا. تهامة ليست ساحة عسكرية فقط، وليست رصيدًا سياسيًا يُستثمر في صراعات مراكز القوى داخل الشرعية، بل هي إقليم له حقه في إدارة نفسه ضمن دولة عادلة، لا تحت وصاية السلاح مهما كان شعاره. إن جوهر الأزمة ليس في شخص العميد طارق صالح بقدر ما هو في النموذج الذي يمثله هل نريد دولة تُدار بالقانون والمؤسسات ؟ أم دولة تتشكل من أفراد يملكون القوة ويعتقدون أن امتلاكها يمنحهم حق الحكم ؟ الشرعية لا تُقاس بعدد الألوية، ولا تُكتسب بالبندقية، بل تُبنى بالتفويض الشعبي، والاحتكام للقانون، واحترام التعدد، وتمكين أبناء الأرض من إدارة شؤونهم. إن استمرار هذا الوضع الهجين في تهامة لا يهدد مستقبل الإقليم فحسب، بل يضرب فكرة الدولة اليمنية في الصميم. فإما أن تكون تهامة تحت سلطة دولة حقيقية، أو ستظل عالقة بين دولة اسمية، وسلطة تعتقد أنها الدولة. والتاريخ، كما علمنا، لا يرحم من يخلط بين الوطن والسلطة، ولا من يختصر الدولة في شخص. .




