ماذا بعد أن فقد الجنوب قدرته على الدفاع عن شعبه؟
ليس السؤال هنا ترفًا فكريًا، ولا صيغة بلاغية للاستهلاك السياسي، بل هو خلاصة موجعة لمرحلة كاملة وصل فيها الجنوب إلى لحظة حرجة: لحظة يتراجع فيها الإحساس الجمعي بأن هناك من يحمي الناس، ويدافع عن كرامتهم، ويقف كحائط صد أمام الانهيار الشامل. حين يفقد أي كيان قدرته على الدفاع عن شعبه، فإن الخطر لا يكمن فقط في العجز العسكري أو الأمني، بل في الانكسار المعنوي الذي يتسلل بصمت إلى وجدان المجتمع.
لقد بُنيت التجربة الجنوبية، منذ سنوات، على وعود واضحة: استعادة القرار، حماية الأرض، وصون كرامة المواطن. غير أن الواقع اليوم يكشف فجوة متسعة بين الخطاب والممارسة. المواطن الجنوبي، البسيط والمثقل بالأزمات، لم يعد يسأل عن الشعارات الكبرى، بل عن أبسط حقوقه: الأمن، لقمة العيش، والحد الأدنى من الاستقرار. وحين تغيب هذه العناصر، يصبح الحديث عن الدفاع أشبه بذكرى جميلة من زمنٍ آخر.
فقدان القدرة على الدفاع لا يعني بالضرورة غياب السلاح أو الرجال، بل غياب القرار السيادي المستقل، وتآكل الإرادة السياسية، وارتهان الملف الجنوبي لتقاطعات إقليمية ودولية لا ترى في الجنوب إلا ورقة ضغط أو مساحة نفوذ. في مثل هذا السياق، يتحول الجنوب من فاعل إلى مفعول به، ومن صاحب قضية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
الأخطر من ذلك، أن هذا العجز يفتح الباب أمام تفكك داخلي صامت. حين يشعر المواطن أن لا أحد يمثله فعليًا، ولا أحد يحميه، يبدأ بالبحث عن بدائل: قبيلة، منطقة، أو حتى صمتٍ قاسٍ يختزل كل أشكال الاحتجاج. وهنا تتحول الخسارة من سياسية إلى اجتماعية، ومن أزمة قيادة إلى أزمة ثقة شاملة.
وفي قلب هذا المشهد المرتبك، تبرز ظاهرة لا تقل خطورة: استنساخ كيانات فارغة من أي مضمون حقيقي، كيانات تحمل اسم الجنوب ولا تحمل قضيته، ترفع رايته في الخطاب، وتؤيد في الممارسة بقاء واقع يناقض تطلعات شعبه. أجسام معطلة، بلا مشروع، بلا أثر، وبلا رؤية، لا تقدم أي إضافة حقيقية باتجاه التحرير والاستقلال، بقدر ما تسهم في تشويش الوعي العام وإرباك المسار. وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: ما حاجة الجنوب إلى كيانات لا تدافع عنه، ولا تمثله، ولا تشكل قيمة مضافة لقضيته؟ بل إن وجودها، في كثير من الأحيان، يتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي، يُستثمر لتجميل واقع مختل، أو لإيهام الخارج بتعددية شكلية تخفي فراغًا حقيقيًا. فالقضية الجنوبية لا تحتاج إلى مزيد من اللافتات، بل إلى مواقف واضحة، وقوى صادقة تضع التحرير والاستقلال في صدارة الفعل لا في هامش الخطاب.
ما بعد هذه اللحظة لا يمكن أن يُدار بالعاطفة أو المكابرة. الجنوب اليوم بحاجة إلى مراجعة شجاعة، لا تستثني أحدًا، ولا تُقدّس التجربة لمجرد أنها وُلدت من رحم المعاناة. المراجعة تبدأ بالاعتراف بأن الدفاع عن الشعب لا يكون فقط في الجبهات، بل في حماية لقمة عيشه، وصون كرامته من الإذلال، ومنع تحويله إلى وقود لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
كما أن استعادة القدرة على الدفاع تمر عبر إعادة بناء الخطاب السياسي الجنوبي، ليكون خطابًا جامعًا لا إقصائيًا، واقعيًا لا تعبويًا أجوف. خطاب يعترف بالأخطاء، ويصارح الناس بالقيود، بدل بيع الأوهام. فالناس اليوم أكثر وعيًا، وأقل قابلية للتصديق، بعد سنوات من الخيبات المتراكمة.
ثم إن الدفاع الحقيقي يقتضي إعادة ترتيب الأولويات: الأمن الداخلي أولًا، تحييد الجنوب عن الصراعات العبثية ثانيًا، وبناء شراكات متوازنة لا تقوم على التبعية أو الابتزاز ثالثًا. دون ذلك، سيبقى الجنوب مكشوف الظهر، مهما تعددت اللافتات وتغيرت الوجوه.
ختامًا، فإن سؤال “ماذا بعد؟” لا يجب أن يُترك معلقًا في الهواء.
الإجابة تبدأ حين يُستعاد الشعور بأن الجنوب مشروع شعب، لا مشروع سلطة. وحين يصبح الدفاع عن المواطن معيار النجاح الوحيد، لا عدد البيانات ولا صخب المنصات. ما عدا ذلك، سنظل ندور في حلقة العجز، نُبدل العناوين، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.




