قانون النقر في كتاب اللغة الصامتة ..




بروفيسور / قاسم المحبشي ..

وأنا اقرأ كتاب اللغة الصامتة للأنثروبولوجي الأمريكي إدوارد ت. هول، استوقفتني عبارة ( قانون النقر) المستلهم من سلوك الطيور الداجنة. ففي حظيرة الدجاج هناك نظام غير معلن، تُحدَّد مراتب الهيمنة عبر “النقر”؛ فالدجاجة الأقوى تنقر الأضعف، والأضعف تنقر من هو أضعف منها، وهكذا تتكوّن تراتبية تحدد من له الأولوية في الأكل والشرب والمكان. ففي عام 1921 نشر عالم سلوك الحيوان النرويجي ، ثورلييف شيلدراب-إيبه (Thorleif Schjelderup-Ebbe, 1895–1982). دراسته الشهيرة عن سلوك الدجاج في الحظائر. لاحظ أن الدجاج (بما فيها الديكة طبعا)  لا تعيس في مجتمع مساواتي بل في تراتب هرمي دقيق، إذ "كل ديك ???? أو  تعرف من تستطيع أن “تنقره” ومن عليها أن تخضع له" 
إدوارد ت. هول وهو يراقب سلوك الكائنات البشرية لاحظ أن ألمجتمعات البشرية تقوم على ترتيبات هرمية غير معلنة، تحدد من يتكلم أولًا، ومن يملك القرار، ومن يسيطر على الموارد، بل حتى من يقترب جسديًا من الآخر أو يجلس في مكان محدد. مثلا: في اجتماع رسمي، يُلاحظ أن المدير يجلس في رأس الطاولة، يبدأ الكلام، يوزع الأدوار؛ بينما الآخرون يتكلمون بإذن أو ينتظرون دورهم. هذا تمثيل بشري لـ”قانون النقر” ويمكن ملاحظة سريان ذلك القانون الصامت في كل مكان من التفاعلات الاجتماعية. 
وهكذا فهمت قانون النقر في كتاب اللغة الصامتة لإدوارد هو بانه يعني: أن كل جماعة بشرية (مثل كل جماعة حيوانية) تنظم نفسها وفق تسلسل للسلطة والمكانة وهذه التراتبية تُفهم غالبًا من خلال إشارات غير لفظية (لغة الجسد، المسافة، ترتيب المقاعد، أسلوب الخطاب ، نبرة الصوت .الخ وهذا ما ذكرني بدراسة أنثربولوجية عن ( سلام تحية؛ طريقة رد السلام في اليمن الشمالية)

في دراسته لصيغ التحية عند السادة والقبائل توصل الباحث الأمريكي، جورج كيتون إلى ذلك التقابل بين الشفاهية والكتابية من خلال دراسة معنى التحية المنصوص عليها في القرآن الكريم ،  في سورة الإنعام، آية 53 وسورة إبراهيم، آية 23 وسورة النساء، أية 86 . وكيف جرى استخدامها بمعناها الديني والدنيوي عند كل من السادة والقبائل اليمنيين، بما تنطوي عليه من صيغ وتعابير جاهزة متعارف عليها. كما لاحظ ( فيرجسون ) Ferguson 1976م ، أن اللغة العربية تزخر  بمثل هذه التعابير الصيغية التي يستخدمها الناطقون بها للكياسة اللغوية والأخلاقية في التفاعل الاجتماعي من ذلك يمكن الاشارة إلى بعضها:
السلام عليكم                        وعليكم السلام
لا باس عليك                          لا باس عليك  
أهلا وسهلاُ                           اهلاً بك : حيا الله من جاء
كيف حالك                          والله في نعمة
مالك شي                            الحمدالله
صبحتوا                           صبحكم الله بالخير والعافية
عيد مبارك                          الجميع
القائم عزيز                        والجالس لا يهان  أو الجالس أفضل
قويت                              نجيت
صحيت                              عيّشك
حي اللحية                       حي لحيتك
السلام تحية                       أبلغت
كيف أحوالكم يا رجال           كفيت

هذه الصيغ الايقونية للتحية وغيرها التي درسها كيتون في المرتفعات الشمالية هي تعبير عن أنماط التفاعل الاجتماعي في مجتمعين مختلفين : مجتمع السادة المنتمي إلى السلالة الهاشمية التي تنسب إلى الرسول الكريم (صلعم) ، ومجتمع القبيلة المنتمي  إلى سلالة قحطان، رأس الإسلاف الذي يتناسل عنه العرب الجنوبيين. وهي تكشف عن قيمتين أساسيتين لكل من السادة والقبائل، قيمة الورع والتقوى عند السادة وقيمة الشرف والنخوة عند القبائل . إن تحية السيد  تشكل صورة للشخصية يكون فيها الورع مهيمناً إيديولوجياً على الشرف ، والطريقة التي يستخدمها السيد في خلق صورة الورع وخلق صورته الاجتماعية هي محاكاة لنموذج التحية القرآني ، أما تحية القبيلي التي يخلق بها صورة الشرف ويخلق بها صورته فهي التحيات المتكافئة . فالتكافؤ في التواصل هو أيقونة التكافؤ في العلاقات الاجتماعية القلبية ، إذ أن رجال القبائل الراشدين غالباً ما يلفظون التحية بصوت ذي صرير صادح ، وغالباً ما يكون متكلفاً ، وتأويل ذلك انه يمثل دلالة على الرجولة والفحولة . فعلو الصوت أو قوته سمة هامة من سمات الأداء، وعلى العكس  فإن صوت السيد يبدو طبيعياً وأكثر ليونة ، وقد ينخفض أحيانا إلى همس لايكاد يسمع . هذه الاختلافات في نوعية الصوت تؤشر أيقونياً إلى الشخص المغامر والمولع بالحرب مقارنة برجل التأمل الهادئ أو السكينة والتقوى والورع ، أي القبيلي والسيد.وخلاصة دراسة كيتون أن أحد الأسباب التي تمنح الحدث الكلامي للتحية في المجتمع اليمني يكمن في إشارته إلى مفاهيم الشرف والتقوى ، وهي قيم جوهرية في المنظومة الثقافية للسادة والقبائل .. وأن نمطاً محدداً من أنماط الشخص العام يتم خلقه في الحدث الكلامي للتحية؛ إذ أن الشرف يقتضي أظهار الاحترام للآخر والمطالبة باحترام الذات، ويتحقق هذا في شكل التحية المتكافئة وصيغتها، كما أن التقوى تستلزم التصرف وفق ما أوصى به الإسلام ، ومنها التحية . ويترتب على ذلك أن التحية خلال تأديتها تخلق صورة الشخص الشريف والورع ، والقبيلي والسيد.( كيتون، 1997: 166).وفي سياق متصل تأتي دراسة ( برنكلي ميسك) التي أشرنا إليها أعلاه، كأصدق تعبير عن دراسة التقابل بين الشفاهية والكتابية في الثقافة العربية الإسلامية؛  إذ أشار إلى " أن الفكر الإسلامي قد شهد علاقة إشكالية ما بين الكلمة المنطوقة والنص المكتوب، وكما هو الحال في الغرب ، تموضعت الإشكالية بشكل متناقض ظاهرياً  داخل غطاء من التقليد الكتابي. والحديث ذو شجون...