السياسة حين يكون العقل أسبق من الضجيج



ليست السياسة ساحةً للمثاليات، ولا حلبةً لاستعراض النيات الحسنة، بل هي – في جوهرها – فن الممكن، والتعامل الواقعي مع ما يمكن وما لا يمكن، دون أوهام ولا اندفاع أعمى. من يظن أن السياسة تُدار بالعواطف وحدها، سرعان ما يكتشف متأخرًا أنه كان آخر من يعلم، تمامًا كزوجٍ يُدار المشهد من حوله وهو يصفق للسراب.

التاريخ، والدين، والواقع، كلها تشهد أن هناك من اعتاد نكث العهود، والغدر، وارتداء الأقنعة عند كل منعطف. وقد وصفهم القرآن توصيفًا بالغ الدقة حين قال:

"الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله"

وهو توصيف لا يُقرأ بمعزل عن السياق، ولا يُستحضر إلا حين تتكرر ذات السلوكيات، وتُعاد إنتاج الخيبات بذات الأدوات.

في السياسة، لا توجد جراح سطحية. ما تنكؤه الحروب، وتغذيه المؤامرات، لا يكون مجرد نزيف عابر، بل يتحول – إن أسيء التعامل معه – إلى دُمّلٍ سرطاني يصعب استئصاله، مهما طال الزمن. ولهذا، فإن الاندفاع غير المحسوب لا يقل خطرًا عن التخاذل، وكلاهما وجهان للفشل ذاته.

العقول التي تتحرك برويّة، وتزن الخطوات قبل الإقدام، ليست عقولًا خائفة ولا ضعيفة، بل هي العقول التي تدرك مآلات الفتن، وتعرف أن بعض المواجهات – وإن بدت مغرية – قد لا تُحمد عقباها. فتراها تميل عنها، لا هروبًا، بل درءًا للشر، وحفاظًا على ما تبقى من توازن في مشهد ملغوم.

وهكذا كان النهج الذي سارت عليه الإمارات، وهكذا يتصرف المجلس الانتقالي الجنوبي؛ قراءة واقعية للمشهد، حساب دقيق للتوقيت، وإدراك عميق بأن كسب المعركة لا يعني دائمًا إشعالها، بل أحيانًا تجنبها حتى تنضج شروطها.

وفي الختام، يبقى الدعاء ملاذ العقلاء حين تضيق السبل، وتتزاحم الفتن:

اللهم باعد بيننا وبين قرن الشيطان، واحفظ أوطاننا من عبث الطائشين، وحكمة المتلاعبين.