رسـالة مفـتوحة في شأن إعـادة بناء أولويـات التعـليم الوطـني "الأساسي والعالي والمهني"
الأخوة وزير التربية والتعليم ووزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التعليم الفني والتدريب المهني.
فـي أزمنة التحوّلات الكبرى التي تعيشها الأمم، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد آنية، بل بما تُؤسِّسُه من وعيٍ مُستدام في عقول أبنائها.
فـ التحـديات الراهـنة، على قسوتها، تمنحنا فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع التعليم في قلب المشروع الوطني، بوصفه الركيزة التي يُبنى عليها الاستقرار، وتُصاغ عبرَها ملامح المستقبل، وتُستعاد بها قدرة المجتمع على النهوض من جديد، لا بوصفه قطاعًا خدميًا، بل باعتباره مشروعَ الدولة الأكبر.
إن إعـادة النـظر في منظومة التعليم الأساسي والعالي، وربطها بالبحث العلمي والتدريب المهني، لم يعد مطلبًا إصلاحيًا، بل ضرورةً وجوديةً؛ فالعـالم من حولنا لم يعد يعترف بالمعرفة الساكنة، ولا بالشهادات التي لا تُترجَم إلى مهارات، ولا بالمناهج التي تُعيد إنتاج الماضي دون أن تمنح الطالب أدوات فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
لـقد تـغيّر شكل الاقتصاد، وتبدّلت طبيعة الوظائف، وظهرت مجالات لم تكن معروفة قبل عقدٍ واحد: الاقتصاد الرقـمي، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، الطاقة المتجددة، الصناعات الإبداعية، والتقنيات التطبيقية، وهـذه التحـولات لا تنتظر أن نلحق بها، بل تتجاوز من لا يستعد لها.
ومـن هـنا، فإن تحديث البرامـج التعليمية لم يعد خيارًا تربويًا، بل قرارًا استراتيجيًا يتعلق بمكانة الوطن في خارطة العالم القادمة.
إن التعـليم الأسـاسي هو المرحلة التي تُبنى فيها شخصية الإنسان القادر على التفكير لا الحفظ، وعلى الفهم لا التلقين، وكل إصـلاح لا يبدأ من هذه المرحلة يظل إصلاحًا شكليًا.
فـ الطالـب الذي يتعلّم كيف يسأل، وكيف يحلّل، وكيف يعمل ضمن فريق، هو نفسه الذي سينجح لاحقًا في الجامعة، وفي سوق العمل، وفي حمل مسؤولية الدولة.
أمـا التعـليم العالـي، فينبغي أن يتحوّل من فضاءٍ لمنح الشهادات إلى بيئةٍ لإنتاج المعرفة؛ فـالجامـعة الحديثة لم تعد مكانًا لتكرار الكتب، بل مختبرًا للأفكار، وحاضنةً للابتكار، وشريكًا مباشرًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمـكن أن يتحقق ذلك دون ربط التخصصات الجامعية بحاجات المجتمع الفعلية، وإعادة تصميم البرامج بما يُوازن بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي.
ويأتـي التدريـب المـهني ليُكمِل هذه المنظومة، بوصفه الجسر الحقيقي بين التعليم وسوق العمل، فـالأمـم التي احترمت المهن، ورفعت من قيمة التعليم التقني، استطاعت أن تبني اقتصادًا متماسكًا لا يعتمد على الوظيفة الحكومية وحدها، بل على الإنتاج، والمهارة، وروح المبادرة.
إن إعـادة الاعتبار إلى التدريب المهـني هي في حقيقتها إعادة اعتبار للعمل نفسه، بوصفه قيمةً إنسانية وحضارية.
إن المطـلوب اليوم ليس إلغاء البرامج التقليدية، بل تطويرها وتطعيمها ببرامج معاصرة تُحاكي العصر، وتُدخل مهارات التفكير الرقمي، واللغات، والتقنية، وريادة الأعمال، والبحث التطبيقي، في البناء المعرفي للطالب.
فـ التعـليم الذي لا يتجدّد يتقادم، والتعليم الذي لا يتفاعل مع زمنه يعجز عن إعداد إنسانٍ قادرٍ على العيش فيه.
إن عـالمنا المـعاصر لا يبحث عن حافظي نصوص، بل عن عقولٍ قادرة على قراءة "شـفرات العـصر"، وفهم تحوّلاته، والمشاركة في صُنعها؛ وهـذا الجيل لا يمكن أن يتكوّن مصادفةً، بل يُبنى عبر رؤية تعليمية شاملة، تبدأ من المدرسة، وتتعمّق في الجامعة، وتتجذّر في مراكز البحث، وتتجلّى في مؤسسات التدريب.
إن الاستـثمار في التعليم هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر، لأنه يصنع الإنسان، والإنسان هو رأس المال الحقيقي لأي وطن يسعى للنهوض.
ولعـل المرحلة الراهنة تمنحنا فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، لا لمجرد الإصلاح، وبناء منظومة تعليمية تُخرِج أجيالًا لا تكتفي بالتكيّف مع العالم، بل تمتلك القدرة على الإسهام فيه.
فـ التعـليم ليس ملفًا إداريًا... إنه قضية وطن، ومشروع نهضة، وعقدٌ أخلاقي بين الدولة وأجيالها القادمة.
وإنـنا إذ نرفـع هذه الرؤية إلى وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني، فـإنما نخـاطب قياداتٍ جـاءت من رحـم المؤسسة الأكاديمية، وتُدرك - بحكم الخبرة والمعايشة - أن الاستثمار الجاد في التعليم ليس شعارًا نظريًا، بل مشروعٌ حضاريٌّ طويل الأمد، يُثمر كوادر علمية ومهنية قادرة على العمل والإبداع، وعلى إزالة الغبار عن موقع الوطن في خارطة دول العالم المعاصر، وإعادته إلى المكان الذي يستحقه بين الأمم الحية.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 14. فبراير. 2026م
.




