حكومة الـ35 وزيرًا… شرعنة رسمية للمراضاة وإقصاء لمعيار الكفاءة
لم يكن اليمنيون يتوقعون معجزة من الحكومة الجديدة، لكنهم على الأقل كانوا ينتظرون خطوة عقلانية تعكس حجم الأزمة التي يعيشها البلد. فإذا بالحكومة تُعلن بخمسة وثلاثين وزيرًا، أي أكثر من الحكومة السابقة، وفي ظرف اقتصادي وسياسي لا يحتمل وزيرًا زائدًا واحدًا. هذا التضخم الوزاري لم يمرّ بهدوء، بل أثار موجة انتقادات واسعة، قبل أن يخرج نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان في مقابلة تلفزيونية ليقدّم تبريرًا بدا – في جوهره – اعترافًا رسميًا بأن معيار الكفاءة لم يكن حاضرًا على الطاولة.
قال نعمان بوضوح إن العدد كان “غير متوقع”، وإن الجميع كان ينتظر حكومة بحجم الحكومة السابقة، لكنه برّر الزيادة بـ“ضرورات المُراضاة المناطقية” و“الحاجة لتمثيل كل المناطق”. ثم أضاف أن رئيس الوزراء اضطر في بعض الحالات إلى “تجاوز معايير الكفاءة” لملء الفراغات.
هذا الكلام لا يطمئن أحدًا. بل يفتح الباب لأسئلة أكبر من حجم التبرير نفسه.
كيف يمكن لحكومة تعترف بأنها لم تُبنَ على الكفاءة أن تكون “أكثر قدرة على العمل” بعد أشهر؟
إذا كانت البداية قائمة على تجاوز معايير الاختيار، فكيف نتوقع أداءً أفضل؟
وإذا كانت الحكومة نفسها تقرّ بأن بعض الوزراء جاؤوا فقط لملء فراغ مناطقي، فكيف يمكن إقناع الناس بأن هذه الحكومة ستقود مرحلة حساسة من تاريخ اليمن؟
المصيبة ليست في الاعتراف… بل في طبيعة الاعتراف
حين يقول مسؤول رفيع إن الحكومة تشكّلت على أساس “المراضاة المناطقية”، فهو يشرعن منطقًا خطيرًا:
• أن الانتماء الجغرافي أهم من الكفاءة.
• أن الولاء أهم من الخبرة.
• أن الدولة تُدار بمنطق الترضيات لا بمنطق المؤسسات.
والأخطر من ذلك: أن هذا الاعتراف يوحي بأن بعض المناطق “خالية من الكفاءات”، وهذا غير صحيح ولا يقبله أي يمني يعرف بلده. اليمن مليء بالخبرات في كل محافظة، وفي كل مديرية، وفي كل قرية. المشكلة ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب الإرادة السياسية لاختيارها.
من نُرضي؟ وعلى حساب من؟
إذا كانت الحكومة تُشكّل لإرضاء مناطق معينة، فمن الذي يدفع الثمن؟
الجواب واضح: المواطن.
المواطن الذي ينتظر خدمة، كهرباء، راتبًا، أمنًا، واستقرارًا.
المواطن الذي لا يعنيه عدد الوزراء بقدر ما يعنيه أن يكون الوزير قادرًا على العمل.
لكن يبدو أن الحكومة اختارت طريقًا آخر:
إرضاء القوى، لا إرضاء الناس.
إرضاء الجغرافيا، لا إرضاء المصلحة العامة.
المراضاة ليست حلًا… بل إعادة إنتاج للأزمة
حين تُبنى الحكومات على التوازنات المناطقية، فإنها تتحول إلى:
• حكومة محاصصة لا حكومة دولة.
• حكومة توزيع مناصب لا حكومة إدارة.
• حكومة تُعيد إنتاج نفس الأزمة التي أوصلت اليمن إلى هنا.
والمؤسف أن هذا يحدث في لحظة كان اليمنيون ينتظرون فيها خطوة إصلاحية، لا خطوة توسعية تزيد العبء المالي والإداري على بلد منهك.
تبرير تضخم عدد الوزراء بحجة “المراضاة المناطقية” ليس مقنعًا، ولا منطقيًا، ولا مسؤولًا. بل هو اعتراف بأن الدولة تُدار بمنطق الترضيات، وأن معايير الكفاءة تُعلّق كلما احتاجت السياسة إلى ذلك.
وإذا كانت الحكومة تريد تمثيل كل المناطق، فالأولى أن تمثلها بكفاءاتها، لا بترضياتها.
وإذا كانت تريد بناء دولة، فالدولة لا تُبنى على المحاصصة، بل على الكفاءة والقدرة والشفافية.
السؤال الذي يبقى معلقًا:
من نُرضي؟ ولماذا يكون ثمن هذه المراضاة هو الوطن نفسه؟. # أنور حميد باعوضه




