عتق.. حين يختنق الشارع بظلال "الفراعنة".



​اليوم، لم أكن مجرد عابر سبيل، بل كنت شاهدا بقلبي وعيني على مشهدٍ يختصر وجع البلاد. في "عتق" الحبيبة، وبينما كانت الشمس تتوسط كبد السماء، والناس يركضون خلف أرزاقهم وأمان بيوتهم، كان شارع "درهم" يئن تحت وطأة "فرعونٍ" جديد.

​لقد طالعنا طقمٌ عسكريّ، مجهول الهوية والانتماء، لكنه معلوم الغطرسة. اصطفّ حجر عثرة في طريق المارين، وكأن الشارع ملكٌ لمن يحمل البندقية لا لمن يستخدمه. وحين حاول مواطنٌ بسيط -بأدب العارف بحق الطريق- أن يلفت انتباه الحرس الملثمين لفتح ممر، برزت فوهات البنادق في وجهه.. لم يقرأوا في وجهه تعب الكدح، بل قرأوا فيه "تجرؤا" على هيبة زائفة.

​تكرر المشهد مع غيره، والرسالة واحدة: "الموت لمن يطلب الحياة في طريقنا".

​إن هذا السلوك الدخيل على شيم قياداتنا العسكرية وأخلاقنا الشبوانية واليمنية الأصيلة، هو بادرة يتيمة في تاريخ قياداتها العسكرية في مختلف المراحل، على قدر مايبعث من أسئلةً لا تهدأ:

​من منح هؤلاء حق استباحة كرامة الناس؟

​كيف تحول السلاح من وسيلة لحماية المواطن إلى أداة لترويعه؟

​لقد غادرنا الشارع، لكن السؤال لم يغادر الوجدان. غضبي لم يكن فقط بسبب الزحام، بل كان حزنا على صورة العسكري التي كنا نرجوها "سندا"، فصارت في نظر البعض "سدا". وكم كان الوجع مضاعفاً حين خانني هاتفي بالغياب، فلم أستطع توثيق هذا "الاستعراض" الذي يسيء لرمزية الدولة قبل أن يسيء لعابري السبيل.

​إن الفراعنة يذهبون، وتبقى الطرقات ملكا لمن يحترم الإنسان. أما السلاح الذي لا يحمي حق "عابر سبيل" في المرور، هو سلاحٌ فقد شرعيته الأخلاقية قبل أن يفقد هيبته العسكرية.