ما بعد التدخل السعودي المتأخر: الشارع الجنوبي بين الأمل والشك



ليس كل نقد خصومة، وليس كل صمت رضًا، وفي السياسة أحيانًا يكون السؤال الصادق أهم من ألف خطاب.

ما يُكتب هنا لا ينطلق من عداء وتعرفون مواقفي جيدا انها مع الحق، ولا من مزايدة فنحن ابعد الناس عنها، بل من قراءة واقعية لما يراه الشارع الجنوبي اليوم، بعد سنوات من الانتظار، وبعد تدخل جاء متأخرًا عشر سنوات كاملة وترك أسئلة أكثر مما قدّم إجابات.

فمن يعرف الساحة الجنوبية من زمان ويعرف الأشخاص من 2015 و2016 و2017 يفهم أن كثير من مواقف الشارع الجنوبي اليوم ما هي الا نتيجة تراكم أخطاء كثيرة بسبب تأخر التدخل الطويل الذي مكث عشر سنوات يتجاهل الوضع بالداخل الجنوبي.

فعلى سبيل المثال بعض الناس كانوا يهاجموا أبو زرعة فعلا منذ زمن طويل وخاصة من آلة الانتقالي الإعلامية المدعومة من حلفاء المملكة والتي كانت ترى فيه خطرًا يهدد فسادها، لكن ما قدروا يوصلوا له لأن حسه الأمني عالي ووضعه مرتب ولا يتدخل بشؤون الاخرين، ولهذا بقي ثابت لما سقط غيره.

وأما الجواسيس بين الجنوبيين فهم معروفين ولكنهم قليل وقلتهم واضحة، وهم من ورّطوا ناس كثير بإظهارهم معارضة الانتقالي امام الناس وبالحقيقة هم جواسيس معه، وأوصلوا بعض المشايخ والشخصيات العسكرية والاجتماعية وغيرهم لفم ومخالب وسجون الانتقالي التي لا ترحم، والذي كان بدوره أسدًا على أهله ونمرًا من ورق على الأعداء تبخر بيوم وليلة، وهؤلاء عمومًا لا يمثلوا الشارع.

ولكن هناك كثير من الذين مالوا للانتقالي مؤخرًا في ديسمبر 2025م وهم محور القصيد هنا ويمثلوا اكثر فئة بالشارع الجنوبي، لقد رأوا بوقتها اي اواخر ٢٠٢٥م أن الانتقالي صار فعليا هو المتحكم بالساحة وحتى ان السياسة السعودية مهما اختلفت الا انها بالاخير تخضع لسياية الحليف الوحيد المتبقي معها بالجنوب،

 وخصوصًا مع تأخر السعودية سنين طويلة عن التدخل، فحين جاء التدخل السعودي متأخرًا وبقوة وبدون سابق انذار حقيقي ملموس للشارع على الارض أوصل طابع فهم مغلوط عند الشارع الجنوبي أن هذا التدخل مهما كان صحيحا الا أنه جاء بالوقت الخطأ وهوبعد تعب الناس ووصولهم لمرحلة صعبة واستنزافهم وبعد ترك الحبل على القارب للحليف الوحيد لسنين طويله جعل من ذلك فهم ان السعودية راضية عما يدور.

وزاد الغضب لأن السياسة السعودية ما كانت واضحة، وإنما سكوت طويل ثم تدخل مفاجئ، اليوم معك وبكره يمكن تتركك. 

وهذا جعل الثقة تهتز عند الناس في الشارع الجنوبي ونحن هنا لا نتكلم عن القياده الجنوبية الفاشلة وقتها فالكلام عليها يحتاج كتب لسرد اخطاءها ،وانما هنا نتكلم عن السياسة السعوديه بإدارة الملف الجنوبي..

 ولذلك الناس وقفوا مع السعودية ليس لأنها الأفضل، وإنما لأنها أقل سوءًا من الانتقالي، وليس لأنهم واثقين بها 100% اقلها حاليا.

وموضوع النفط يأتي هنا عاملًا مثيرًا للتساؤلات، فقد زادت الشكوك بعد اكتشاف آبار النفط في خراخير والتي تسحب النفط بكميات مهولة إلى الداخل السعودي، وأيضًا في المهرة، وأنابيب تمتد عبر سلطنة عمان ثم تدخل الداخل السعودي. ثم جاء التدخل القوي بعدها، فخلّى كثير يعتقدوا أن التحرك كان للمصالح أكثر من الناس وأكثر من الأمن القومي الذي يتعذرون به. وسواء صح أو لا، هذا هو إحساس الشارع الجنوبي، ننقله كما هو لمن يهمه الأمر.

نحن بالطبع ومن يعرفنا نحن وهم مع قيادتنا الممثلة ب ابو زرعة وعبدالرحمن شيخ، لكن الحقيقة التي لا تقال علنا وانما تتداول بالمجالس والمقايل والاجتماعات هي أن السعودية تأخرت كثيرًا، والناس زعلانة رغم كل ما قُدِّم، والزعل هذا لا يذهب بالكلام عند الناس العاقله والتي يحترمها الشارع الجنوبي،

 وإنما يذهب هذا الزعل بخطوات واضحة، وهي تسليم القرار والموارد لأهل الارض الجنوبيين، والسعودية تكون راعية لا متحكمة.

ولكي لا يُقال إنكم فقط تقفون على المشاكل وليس لديكم حلول، أود أن أسرد بعض الحلول، وهذه حلول عملية ومباشرة — لو طُبّقت فعلًا — فسوف ترفع ثقة الشارع الجنوبي بالسعودية بشكل حقيقي، مش إعلاميًا فقط:

أولًا: أن يكون هناك وضوح سياسي لا لبس فيه، وأن تعلن السعودية موقفًا واضحًا وثابتًا من قضية الجنوب، بدون رمادية ولا رسائل متناقضة. الناس تعبت من “اليوم معك وبكره نتركك”. الوضوح وحده يزيل نصف الشك.

ثانيًا: تسليم الموارد لأهلها، وتسليم إدارة النفط والغاز والذهب والموانئ بيد الجنوبيين أنفسهم، وبشفافية، مع إشراف واتفاقات واضحة لا وصاية. هذا وحده ينسف فكرة أن التدخل كان لأجل “البزبوز”.

ثالثًا: التعامل مع القيادات الحقيقية لا الواجهات الديكورية، والجلوس مع القيادات الاجتماعية والعسكرية الشريفة الفاعلة على الأرض والتي تخاف الله، مش مع أسماء فندقية أو شخصيات بلا وزن شعبي، وجعلها تمثل الجنوب، والجنوب لا يقر بذلك، كما لم يقر للانتقالي تمثيله للجنوب من قبل، فالاحترام يولّد ثقة.

رابعًا: إنهاء سياسة الانتقائية وما يشوبها مهما كان، فلا يصح أن تُفتح الأبواب للبعض وتُغلق بوجه آخرين وهم من نفس النسيج الجنوبي، لأن الإقصاء يخلق خصومًا حتى من الحلفاء.

خامسًا: مصارحة الناس بالأخطاء، والاعتراف بالتأخير في التدخل وببعض القرارات الخاطئة، وأنها لم تكن بقصد شراكة الفساد أو شراكة الفاسدين بتعذيب الشعب خلال السنوات الماضية. هذا لا يضعف الجانب، بالعكس يعطي مصداقية، والشعب الجنوبي يقدّر الصراحة أكثر من التبرير.

سادسًا: تحسين الخدمات بملف زمني واضح: كهرباء، مياه، رواتب، صحة، بخطة معلنة وتواريخ محددة، مش وعود عامة، لأن الناس تحكم بالنتيجة لا بالنية.

سابعًا: أمن وجيش بلا ازدواجية، عبر بناء منظومة أمنية وعسكرية جنوبية قوية، يدها لم تتلطخ بالدماء من سابق ولم يُعاد تدويرها، ولا مليشيات متناحرة ولا تغاضٍ عن جماعات على حساب أخرى. فالأمن العادل عند الشعب الجنوبي هو أساس الثقة.

ثامنًا: وقف إدارة المشهد من الخلف، أو التدخل غير المعلن، والتفاهمات الغامضة، لأنها تقتل الثقة. فالشراكة العلنية والواضحة أفضل ألف مرة من التحكم الخفي.

تاسعًا: احترام الكرامة الجنوبية، فلا نريد أن نسمع عن اعتقالات سياسية إلا لمن أجرموا بحق الشعب الجنوبي، ولا تهميش ولا تعامل فوقي، فالجنوبي يريد شريكًا لا وصيًا.

عاشرًا: تحويل الأقوال إلى أفعال سريعة، فأي خطوة إيجابية إن تأخرت تُفهم على أنها مناورة، والسرعة هنا عنصر حاسم.

ومن كلما سبق نقول هنا أن الشعب الجنوبي ليس ضد السعودية، لكنه متعب، حذر، ومجروح من التجارب، والثقة لا تُشترى بالإعلام ولا بالمال، بل بوضوح الموقف، وعدالة الشراكة، وتسليم القرار لأهله، لأن الجنوب لا يشابه الشمال كما يظن إخواننا في السعودية.

فالشعب الجنوبي قادر أن يلفظ عن شواطئه الآلاف ممن يتقلبوا ويبدلوا المواقف مهما طال الزمن ومهما ظن المتحكم انه يمسك بزمام المبادرة، ليعود الشارع في النهاية إلى مساره الصحيح الواقعي الطبيعي..

وايضا الشعب الجنوبي قادر ان يبني شراكة طويلة الامد ان شعر بصدق الحليف كما نستشعره حاليا من تحسن للخدمات في عدن .. ولو استمر عمل الحليف السعودي في تمكين الجنوبيين من ارضهم وثرواتهم وكان وجود الحليف كشريك حقيقي يعطي للجنوبيين -الشرفاء الصادقين العاملين للجنوب وليس لاحزابهم- إعتبارهم لا وصياً عليهم ستستمر الثقة وتزداد يوما بعد يوم بإذن الله وسيكون الشارع الجنوبي والحليف السعودي كسبا الرهان جميعا ولن يكون هنالك خاسر اطلاقاً بهذه الثقة المتبادلة فالشغب الجنوبي يبادل الوفاء بالوفاء دوماً وأبداً.