إعـادة الخـدمات تـطفئ لهيـب الـشارع
عندمـا تعود الخدمات، ولو بحدّها الأدنى، يخفت ضجيج الغضب، ويستعيد الشارع شيئًا من اتزانه؛ فالمواطن البسيط لا يطلب المعجزات، ولا يبحث عن شعارات كبرى، بقدر ما يريد كهرباء مستمرة، وماءً يصل إلى بيته، وخدمة صحية تحفظ كرامته، وراتبًا يكفيه حتى نهاية الشهر.
هـذه التفاصيل البسيطة في ظاهرها، هي في الحقيقة صمام الأمان لأي مجتمع، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الشارع حين يضيق به الصبر.
"لـقد شكلت العودة النسبية للخدمات في المحافظة تحولًا ملموسًا في المزاج العام"
فـ تحـسن التيار الكهربائي، واستقرار إمدادات الوقود، وانضباط بعض القطاعات الخدمية، لم تكن مجرد إجراءات فنية، بل رسائل طمأنة مباشرة للمواطن بأن الدولة - أو ما تبقى من حضورها - لا تزال قادرة على الفعل.
ومـع هـذا التحسن، ولو كان جزئيًا، تبدد جزء كبير من الاحتقان، وتراجع مستوى التذمر، وحل محله شعور عام بالرضا الحذر، المشوب بالأمل.
إن رضـا الناس عـما تحقق في قطاع الخدمات لا يُفهم على أنه ولاء سياسي، بل هو استجابة طبيعية لتحسن ظروف الحياة؛ فعندما تقل أعباء الفواتير، وتنخفض تكلفة المعيشة، وتتحسن الحالة المالية للمواطن ولو نسبيًا، يصبح أكثر قدرة على الصبر، وأكثر استعدادًا للتفهم، وأقل ميلًا للاحتجاج، هـكذا تُدار المجتمعات: بالخدمة قبل الخطاب، وبالاستقرار قبل الوعود.
ومـن هـذا المنطلق، تتعالى اليوم أصوات المواطنين مطالبةً رئيس المجلس الرئاسي، ومعه الجانب السعودي، بالاستمرار في هذا الدعم الذي أثبت أثره المباشر في حياة الناس.
دعـمٌ لم يكـن ترفًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية، أعاد شيئًا من الاستقرار المفقود، وخلق هامشًا من الراحة النفسية بعد سنوات من الإرهاق والمعاناة.
"إن أخـطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة في هذه المرحلة ليس الخصوم السياسيين، بل انقطاع الخدمات"
فـ الجـوع لا يُعارض بالحجج، والظلام لا يُطفأ بالخطب، وحدها الاستمرارية في تحسين الواقع الخدمي قادرة على إطفاء لهيب الشارع، وإصلاح الثقة المنهكة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فـي الأخير، فـإن إعادة الخدمات ليست منّة ولا مكسبًا سياسيًا عابرًا، بل واجب أصيل وأساس لأي استقرار مستدام.
فـ الـشارع الذي هدأ اليوم بسبب تحسن الخدمات، إنما عبّر عن حقيقة واحدة مفادها أن الناس تريد أن تعيش بكرامة، لا أكثر.
وهـذا ما يريـده المواطن في بيته، والتاجر في سوقه، والزائر في إقامته، والسائح في رحلته، وعابر السبيل في طريقه؛ بيئة مستقرة، وخدمات حاضرة، ودولة تُشعر الجميع بأنهم في وطن يُحسن استقبال أبنائه وضيوفه على حد سواء.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 31. يناير. 2026م
.




