في معنى القوة والعجز والتاريخ والحضارة ...
بروفيسور قاسم المحبشي ...
تأملت تاريخ العالم فوجدت أن كل شيء مرهون بالقوة؛ قوة الحياة بمعنى القدرة التخصيب والإخصاب والميلاد والانبات والنماء والحركة والتطور والإزهار والإثمار وقوة الفكر بمعنى القدرة على الإدراك والفهم والتخيل وقوة الجسد بمعنى القدرة على النهوض العمل والفعل والانفعال والقيام بكامل الوظائف الحيوية للجسم والعقل والضمير وقس على ذلك قوة الجماعة وقوة التنظيم والإدارة والبيروقراطية وقوة المؤسسات والقوة الاقتصادية والقوة التكنولوجية وقوة النظام وقوة الأمن وقوة السيطرة وقوة القرار وقوة الفعل والإنجاز ولاشي يمكنه الوجود في هذا العالم بدون امتلاكه لقوة الوجود وبهذا المعنى نفهم تمييز أرسطو بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل إذ إن كل موجود في هذا العالم يمكن أن يوجد من جهتين: الوجود بالقوة (الدوناميس))
2. الوجود بالفعل (الإنرغيا أو الإنتيليخيا) وهما يعبران عن حالتين مختلفتين للوجود: الوجود بالقوة: هو ما يمكن أن يكون، قابلا للتحقق لكنه لم يتحقق بعد في صورة متعينة أو الوجود بالفعل: فهو ما تحقق وصار موجودًا وكائنا على نحو تام فالقوة إمكانية والفعل تحقق هذه الإمكانية وبهذا المعنى نفهم قول هيجل إن ( البذرة تحمل في جوفها شكل الشجرة ونوع الزهرة وطعم الثمرة) بمعنى إن الشجرة هي وجود بالقوة في جوف البذرة ولا تتحول من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل إلا إذا تم بذرها في أرض خصبة تجعلها تنبت وتنمو وتؤرق وتزهر وتثمر أو تصير اخيرا وجودا بالفعل بعد كانت وجودا بالقوة وهكذا هو الطفل الإنسان قبل التخصيب في رحم الأم بين البويضة والحيوان المنوي كان وجودا بالقوة لكنه صار وجودا بالفعل وهذا الوجود البيولوجي للكائن البشري هو اسبق من الماهية إذ إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ولد ناقصا، أي غير منجز الهوية؛ وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان, حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ. بل إن الطفل الإنساني هو الكائن الوحيد الذي وجوده أسبق من ماهيته وأنه لا يصير إنسانا الا بالرعاية والتربية واللغة والتعليم والثقافة وأنه طوال حياته يظل مشروعا إنسانيا لا يكتمل الا في لحظة وفاته. فلا قيمة ولا أهمية لمكان مولد الإنسان وزمانه وعشيرته وقبيلته وقوميته ودينه ومذهب وطائفته الا فيما يمنحها من معنى إنساني عمومي تمكنه من تنمية وتأهيل ذاته الفردية بما يجعله في كل لحظة من حياته أكثر إنسانية مما كانت قبلها فالطفل الإنسان في المرحلة الجنينية هو وجود إنساني بالقوة لكنه بفضل الرعاية والتربية والتعليم يصير فيلسوفا أو عالما أو مهندسا أو طبيبا أو طيارا أو كابتن رياضيا أو فقيها أو سياسيا أو قائداً عسكريا .. الخ وبين القوة والعجز يدور التاريخ وقواه ولكل كائن في هذا الكون تاريخ واحد هو تاريخه الطبيعي الذي هو طبعة ونظام سلوكه وقواعده وقانونه؛ الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء لكن للإنسان تاريخين: " تاريخ طبيعي يشارك به جميع الكائنات الطبيعية وتاريخ وضعي يضعه لنفسه ويضع فيه العلوم والآداب والفنون والسياسة والأخلاق والتشريع والزراعة والصناعة والعمارة.ولا يكون التاريخ إلا حركة وصراع وتكيف بالتطور وتطور بالتكيف ورد فعل واتخاذ موقف في مواقع محمية وتبرير المواقف وتحصين المواقع بما يحقق القوة والحماية والعافية والآمن والآمان ولا يكون التاريخ إلى مجمل تاريخ صراع الإنسان ومواقفه إزاء الطبيعة الذي هو قصة تطوره الذي هو قصة تكيفه الذي هو رد فعل الإنسان ومواقفه إزاء الطبيعة بما فيها طبيعته هو التي هي أشد الطبائع عناداً وتمرداً على التطويع واستغلاقاً على الفهم والتاريخ تاريخان :تاريخ الضرورة والواقع والحياة وهو التاريخ الفعلي الذي يدور حول محول التجارة والحرب والاحتكار وتلك حقيقة لا خير ولا شر ولا جبر ولا اختيار، بل سنة من سنن الله سبحانه وتعالى وحقيقة من حقائق التاريخ فيه فقراء ضعفاء مغلوبون مقهورون يخدمون أغنياء أقوياء غالبين قاهرين في السلم ويدافعون عنهم في الحرب. وتاريخ متخيل: تاريخ الحلم والأمل والرجاء والمثال الذي نريده ونتمناه ونحلم به يدور حول محور العمل للإنتاج واللعب للابتهاج والاكتفاء بالذات والاستغناء عن الغير والعدل والخير والجمال للجميع وبعد ثورة الاتصالات والمعلومات وصيرورة الكرة الأرضية قرية إنسانية منكمشة ومنكشفة، متصلة ومتفاعلة ادرك الناس من مختلف الشعوب والدول والحضارات واللغات والمعتقدات بإنهم متشابهين إلى حد التماثل في الدوافع والحاجات الأساسية وأن الاختلافات بينهم تتحدد بطبيعة هوياتهم السياسية أي بطبيعة الدول التي يحملون جنسيتها فإما أن تكون مواطنا مكرما في دولة مدنية عادلة ومستقرة ومحترمة بغض النظر عن اصلك وفصلك ولونك وجنسك ولغتك وثقافتك ودينك وتاريخك وأما الا تكون ذلك. وهنا يمكن العثور عن المعنى اقصد معنى الحضارة بوصفها القوة التنظيمية في التاريخ؛ سياسةً وتشريعاً وأخلاقاً. ويعّلم التاريخ أن البشر بدون مؤسسات عامة ومعايير قانونية حازمة وصارمة وعيونهم إلى الأرض، قد أثبتوا مراراً وتكراراً-وفي كل حقبة من حقب التاريخ حدث فيها إنهيار مؤسساتهم الرسمية -أنهم يمكن أن يكونوا أحط من الوحوش، لا أخلاق لهم يحيون حياة غابية كل يوم بيومه لا معنى لها ولا هدف غير عيش اللحظة اشباع شهواتها الفورية المباشرة بلا خوف من الله ولا خجل من الناس ولا تأنيب من ضمير ولا خشية من عقاب.
#النوم والأحلام
وحينما ينام المرء بمعدة فارغة تكون الأحلام جميلة وهادئة أما إذا كانت معدته ممتلئة فالكوابيس هي التي تتطلع منها باستمرار وهكذا هو التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب الراكدة يشبه المعدة الحية التي تتراكم فيها أحداث الماضية في طبقات رسوبية مُوحلة وتنشر سمومها في مختلف مجلات حياتها الحاضرة ومجاريها. فالتاريخ الذي لم يمضغ جيدا ويهضم جيدا ولم يفلتر ماضيه ويقتل بالبحث والدراسة والنقد والتطهير والتجديد والتغيير والتجاوز المستمر هو اخطر السموم التي تكبل حركة الشعوب وتعيق تقدمها لاسيما إذا كانت تقدسه . والتاريخ هو ما حدث في ما مضى وتم وانقضى ويستحيل استرجاعه ولا شيء يخرج من داخله ولا شيء يأتي اليه من خارجه. إذ هو دائما فاعلية الأحياء الناس الساعيين لتدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم وحينما يكون الحاضر مشبعا بالحيوية والنشاط والفعل والفاعلية والفرح والإنجاز ينسى الناس الماضي بكل عجره وبجره ولم يعد يخطر على بالهم ابدا إذ يكون حاضرهم الزاخر بالحياة المفعمة بالانجاز والسعادة ومستقبلهم الواعد بالتجاوز الخلاق هو الذي يشد إهتمامهم؛ نقصد تلك الحياة التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ «ملموسيتها»، وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلير دوران بـ «الجو الخانق» أما إذ عجز حاضرهم الفوري المباشر عن إشباع لحظتهم المعاشة وجعلها جديرة بالحياة والحلم والأمل فالماضي هو الذي يعاود الحضور باستمرار بوصفه بديلا استيهاميا تبريريا لا يغني ولا يشبع من جوع. أننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء وليس بمقدورنا الخروج منه أو مغالطة استحقاقاته الفورية المباشرة فأما أن نستجيب إلى تحدياته ونتدّبر أمرنا في حاضره تجاوزه وأما سحقنا بعجلاته وتجاوزنا بقطاره الدائم الحركة. والتاريخ بهذا المعنى هو أخطر كيمياء اخترعها العقل الجمعي إذ تسكره وتشل حركته فيما تمنحه من أوهام مخدرة عن الماضي وبطولاته التي يستحيل استرجاعها الا بالأوهام القاتلة والفكرة الميتة الآتية من خارج الحياة والتاريخ الزاخر بالحاضر الحي المباشر بحسب كروتشة تعجز عن أنجاب حتى فكرة موتها وفي ذلك تكمن خطورتها وتتعين قوة قهرها. فما الذي يجعل الإنسان في أي زمان ومكان يعاود الحنين إلى الماضي الجميل؛ أنه ببساطة بؤس الحاضر وأنسداد أفق المستقبل. ومن السذاجة الطفولية الاعتقاد بأن رغبة الناس في استعادة ماضيهم هي حالة فطرية طبيعية وربما يعود سبب ذلك الاعتقاد الزائف في الثقافة العربية الإسلامية إلى العجز الطويل عن إنجاب حالة حضارية حديثة وجديدة تجعلهم ينسون ماضيهم وينهمكون في صناعة حاضرهم ويتطلعون ويخططون إلى بناء مستقبلهم الأفضل باستمرار فالمستقبل لا الماضي هو الجدير بالأهمية والقيمة والاعتبار في نظر وحياة كل الأجيال في كل زمان ومكان، وهذا أمر مرهون بالتاريخ وممكناته وليس بالإنسان ورغباته. صحيح القول: أن الناس يصنعون تاريخهم بانفسهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم بل في ظل الشروط التاريخية المعطاه لهم سلفا من ماضيهم فالاموات يتشبثون برقاب الأحياء. والتاريخ دائما وابدا هو أمام الناس لا خلفهم.
في الأزمنة قبل الحديثة. حينما كان الناس يعيشون في تجمعات ومجتمعات تشبه كانتونات منعزلة ومعزولة كان لكل جماعة نمطها الثقافي والاجتماعي والاعتقادي إذ ترى ذاتها مركز الكون ومحوره. أما اليوم في عالم مكشوف ومتداخل وقد تكشفت حقيقة الجماعات التي كانت تقيم خلف الجبال وبينها ووسط الصحاري والخيام وفيما وراء البحار والمحيطات وبعد إن تعارف الناس واحتكوا ببعضهم في هذا العالم الأرضي الوحيد المتاح للعيش البشري وصار الإنسان ينظر إلى الكرة الأرضية من خارجها فمن المفترض أن يغير البشر نظرتهم القديمة إلى العالم وإلى أنفسم وإلى الآخرين وأن يتعلموا من تجارب بعضهم في إدارة شؤون حياتهم. وليس بمقدور أي جماعة أن تفرض نمط حياتها القديم على العالم الجديد مهما كانت قوتها وحجتها ومبرراتها. والعلم وأحد والرأي متعدد.والعلمانية لا تعني ابدا فصل الدين عن الدولة بل تعني فصل المذاهب والعقائد والطوائف والايديولوجيات والاتجاهات والهويات والمرجعيات الدينية والقبلية والعشائرية والطائفية عن السلطة السياسية داخل كل دولة معنية بتدبير حياة مواطنية بقوة الحق لا حق القوة؛ الدولة بوصفها مؤسسة جامعة لجميع مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية وتوجهاتهم الأيديولوجية وانتمائتهم الطائفية وهوياتهم العشائرية والقبلية ولا فضل لمواطن على أخر بالمذهب والاعتقاد والرأي والملة والطائفة والقبيلة والعشيرة؛ القانون هو سيد الجميع في أوطانهم ودولهم الحديثة العدالة المستقرة وذلك هو جوهر الحضارة ومعناها إذ إن والحضارة هي محور التاريخ ومداره بوصفها القوة التنظيمية سياسيةً وتشريعا وأخلاقًا أي النظام العالم الذي يحفظ ويصون كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية؛ حق الحياة والعمل والحرية والفكر والاعتقاد والتعبير فضلا عن الحقوق المدنية المكفولة في إطار القانون سيد الجميع. وليس للحضارة جوهرا ثابتا دائما في كل العصور بل يختلف معناها بحسب السياقات التاريخية المختلفة فاذا كانت تعني في الأزمنة القديمة قوة النظام السياسي وقدرته الامبراطورية في فرض السيطرة وشن الحروب التوسعية فإنها تعني اليوم كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية؛ حق الحياة وحق العمل وحق الحرية وحق الاختيار وحق الاختلاف وحق القبول وحق الاعتراف وحق الاعتقاد وحق التفكير وحق التعبير وحق التسامح وحق السعادة ..الخ) فحيثما تحضر وتستوطن تلك الحقوق فاعلم أن ثمة حضارة وتحضر وحيثما تغيب تلك الحقوق فلا معنى ولا قيمة للحضارة المزعومة.




