حين يصبح التحسّن المؤقت بديلا عن الحلول الجذرية



 

ما نحتاجه اليوم ليس بيانات تطمين ولا منشورات تطبيل تقدم للرأي العام على أنها إنجازات بل قياما حقيقيا للدولة بواجباتها الدستورية والتزاما واضحا من التحالف العربي بتعهداته الدولية تجاه اليمن وشعبه.

لسنا ضد أي تحسّن ولا ننكر ما شهده ملف الكهرباء من تحسّن مؤقت خلال الأيام الماضية غير أن السؤال المشروع الذي يطرحه المواطن اليوم يبقى حاضرًا بقوة ماذا بعد؟

هل سنظل نعيش بمنطق المعالجات المؤقتة؟

وهل يعقل أن تدار دولة كاملة بعقلية الدعم الطارئ والمنح الإسعافية؟

إن ما يحدث لا يُعد حلا جذريا بل إجراءً مؤقتا لا يبني دولة ولا يطمئن مواطنا بأنه سيحصل على حقوقه الأساسية بشكل مستقر.

وفي ملف العدالة الوظيفية فإن ما جرى ويجري من تمييز واضح بين موظفي الدولة عبر صرف رواتب البعض بعملة أجنبية وآخرين بالريال اليمني يُعد مخالفة صريحة للقوانين الوطنية ولمبادئ العدالة والمساواة ولا يمكن القبول بدولة تقسّم موظفيها إلى فئات امتياز بينما الجميع يعملون في ذات الظروف القاسية.

أما ملف المياه والفساد فما يروّج له من تحسن لا يعكس الواقع الحقيقي إذ لا تصل المياه إلى أغلب مديريات عدن إلا كل عدة أيام إن وصلت وهو ما يعكس عمق الأزمة لا حلّها.

وفي ملف الرواتب لا تزال شريحة واسعة من موظفي الدولة في دواوين الوزارات والمرافق الحكومية محرومة من رواتب أشهر متتالية وهو أمر لا يمكن تبريره تحت أي ظرف ويؤكد ان هناك خلل بوزارة المالية والبنك المركزي ويحب معالجته .

إن الدولة لا تُقاس بالكهرباء وحدها بل بقدرتها على حماية القطاعات السيادية والخدمية الأساسية وفي مقدمتها التعليم والصحة.

 فالتعليم اليوم يواجه خطر الانهيار الحقيقي في ظل تدني أوضاع المعلمين وغياب الاستقرار الوظيفي، وتراجع البنية التحتية، وهو ما يهدد مستقبل أجيال كاملة ولا يمكن بناء دولة أو تحقيق استقرار دون إنصاف المعلم وضمان تعليم منتظم، وإبعاد هذا القطاع الحيوي عن أي تجاذبات سياسية.

كما أن القطاع الصحي يعيش وضعًا لا يقل خطورة حيث تدهور الخدمات وضعف الإمكانيات وارتفاع كلفة العلاج وتحول المستشفيات الحكومية إلى مرافق عاجزة عن أداء دورها ما يجعل المواطن ضحية إضافية للفقر والمرض معًا.

ومن هنا فإن المعالجات المؤقتة لا يمكن أن تنقذ هذه القطاعات بل المطلوب رؤية شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات.

وفي هذا السياق تبرز أهمية مدينة عدن التي لا يمكن التعامل معها كمدينة عادية بل كعاصمة ذات خصوصية سياسية وإدارية وتاريخية .

فعدن تحتاج إلى قانون خاص ينظم إدارتها ويمنحها صلاحيات واضحة، ويضع حدًا لتعدد مراكز القرار ويضمن إدارة مدنية قائمة على المؤسسات لا على النفوذ أو الأمر الواقع.

إن استقرار عدن هو مدخل استقرار الجنوب وأي عبث بإدارتها ينعكس مباشرة على الوضع السياسي والخدمي والمعيشي.

كما أن المرحلة الراهنة تتطلب حوارا جنوبيا–جنوبيا صادقًا ومسؤولًا داخل الوطن أو في جمهورية مصر العربية الشقيقة بهدف توحيد الرؤى ومعالجة الخلافات وبناء شراكة وطنية جنوبية تقوم على التوافق لا الإقصاء، وعلى المشروع لا الغلبة واستمرار الانقسام الجنوبي لا يخدم إلا الفوضى ويؤخر أي حل سياسي عادل.

وفي الجانب الاقتصادي والسيادي، فإن المطلوب اليوم هو تفعيل تصدير النفط والغاز وكل الموارد القابلة للتصدير، لتكون مصدرًا حقيقيًا ومستدامًا لتغطية الرواتب والخدمات، بدل الارتهان المستمر للدعم الخارجي.

كما أن استمرار تدوير المليشيات تحت أي مسمى لن يبني دولة ولن يحقق أمنا بل يكرس واقعًا هشا يدفع المواطن وحده ثمنه.

وتبقى المسؤولية الأساسية للتحالف العربي وخصوصًا الأشقاء في المملكة العربية السعودية بوصفهم شريكا حقيقيا في دعم مسار بناء الدولة وتمكين مؤسساتها والمساهمة الجادة في إخراج اليمن من وضعه الاستثنائي وصولًا إلى استقرار شامل يخدم الجميع.

نحن لا نبحث عن صراع ولا نمارس المزايدة والاصولية والتطبيل بل نطالب بحقوق مشروعة وواضحة:

دولة عادلة، رواتب منتظمة، تعليم فاعل، صحة كريمة، خدمات مستقرة، وسيادة حقيقية.

فالمواطن لم يعد يحتمل مزيدا من الوعود ويريد أفعالا تعيد للدولة هيبتها وللوطن كرامته.