بين يدي رئيس الوزراء د. شائع الزنداني "شـكل الحكـومة لا يصنع الحـل ما لم تُدار بعـقل الـدولة"



"حكومة أحزاب أم تكنوقراط؟ سؤال اللحظة في واقع يمني معقّد"

فـي خضمّ المشهد السياسي اليمني المأزوم، يتجدّد الجدل حول شكل الحكومة الأنسب لإدارة المرحلة الراهنة؛

هـل نحتاج إلى حكومة أحزاب تعبّر عن التوازنات السياسية القائمة؟

أم إلى حكـومة تكنوقراط تُغلّب الكفاءة والخبرة بعيدًا عن الاستقطاب الحزبي؟

هـذا السـؤال لا ينفصل عن الواقع المعقّد الذي تعيشه الجمهورية اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا، واقعٍ تتداخل فيه الحرب مع السياسة، وتتشابك فيه المصالح الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، بينما يقـف المواطن في آخر السلسلة يدفع ثمن التعثّر والتجريب المستمر.

أنـصار حكـومة الأحـزاب يرون فيها امتدادًا طبيعيًا للعملية السياسية، باعتبارها تعبّر عن قوى لها قواعد شعبية وتاريخ نضالي، وتمنح الحكومة غطاءً سياسيًا يُسهّل اتخاذ القرار في بيئة مليئة بالتناقضات.

غـير أن التجـربة اليمنية، خصوصًا خلال سنوات الحرب، أظهرت أن المحاصصة الحزبية كثيرًا ما تحوّلت من أداة توازن إلى عبء على الأداء الحكومي، حيث طغت الحسابات السياسية الضيقة على متطلبات الإدارة الرشيدة، وغابت المسؤولية الجماعية أمام تصدّع الخدمات وتدهور الاقتصاد.

فـي المـقابل، يطرح أنـصار حكـومة التكنوقـراط خيارًا مختلفًا، يقوم على إسناد المسؤوليات لكفاءات وطنية متخصصة، تمتلك الخبرة والقدرة على إدارة الملفات المعقّدة، بعيدًا عن الاستقطاب الحزبي والتجاذبات السياسية.

هـذا الخـيار يبدو جذّابًا في ظل الانهيار الاقتصادي، وتردّي الخدمات، واحتياج الدولة إلى إدارة عقلانية وقرارات جريئة تُعيد الحدّ الأدنى من الاستقرار.

لكـن؛ الإشـكالية هنا تكمن في أن التكنوقراط دون غطاء سياسي حقيقي قد يتحوّلون إلى واجهة تنفيذية بلا سند، تُستنزف في صراعات لا تملك أدواتها، أو تُحمَّل مسؤولية إخفاقات ليست من صنعها.

"بين الخـيارين: أين تكـمن المصلـحة الوطـنية؟"

الحقـيقة التي لا يمكن القفز عليها، هي أن الأزمة اليمنية ليست أزمة شكل حكومة فقط، بل أزمـة إدارة شامـلة للـدولة والمرحـلة.

فالمشـكلة لم تكن يومًا في كون الحكومة حزبية أو تكنوقراطية، بقدر ما كانت في:

غياب رؤية وطنية جامعة، وتضارب مراكز القرار، وتقديم الولاءات على الكفاءات.

لـعلّ الخيار الأكثر اتزانًا في واقعنا الحالي يتمثّل في حكومة كفاءات ذات غطاء سياسي، تجمع بين:

تمثيل سـياسي مسـؤول يضمن الدعـم والشرعـية، وكـفاءات مهنـية تُمسك بالملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية، وحكـومة تُدار بعقل الـدولة لا بعقل الحـزب، وتعمل وفق برنامـج زمـني واضح، وأهـداف قابلة للقياس، وتخـضع لمساءلة حقيقية لا شعارات إعلامية.

فـي النـهاية؛ لا يبحث اليمنيون اليوم عن توصيف أنيق للحكومة بقدر ما يبحثون عن نتائج ملموسة: رواتب منتظمة، خدمات مستقرة، عملة متماسكة، وأمل حقيقي بأن الدولة لم تتخلَّ عن مواطنيها.

أمـا الجـدل بين حكومة أحزاب أو تكنوقراط، فلـن يكـون ذا معنى ما لم يُحسم لصالح المصلحة الوطنية العليا، بعيدًا عن المناكفات، وقريبًا من وجع الناس وحقهم في دولة تُدار لا تُدارَك.

د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 28. يناير. 2026م

.