عندما أصبحنا أكثر "دحبشة" من الدحابشة
في الزمن الجميل، قبل أن تُبتلى عدن بوحدة "من طرف واحد"، كانت المدينة عنوانًا للنظام والقانون، وكانت الرشوة فيها جريمة لا تُغتفر، حتى إن المرتشي كان يُعامل كما يُعامل اللصوص في وضح النهار. أما اليوم، فقد أصبح المرتشي "سيد القوم"، والمخلص في عمله أشبه بالكائن الفضائي الذي ينظر إليه الجميع بتعجب، بل وربما بسخرية.
كنا في الجنوب نردد مصطلح "الدحابشة" كناية عن التخلف الإداري والفوضى والفساد الذي كان متغلغلًا في الشمال، لكننا اليوم لم نعد بحاجة لهذا المصطلح، فقد تجاوزناه بامتياز، حتى أن "الدحابشة" الأصليين قد يقفون احترامًا لإنجازاتنا في هذا المضمار.
عندما توحد الشطران، ظن أبناء الجنوب أنهم سينقلون ثقافة النظام والانضباط إلى الشمال، لكن المفاجأة كانت أن الشمال لم يتأثر إيجابًا، بل العكس هو ما حدث، وكأننا فتحنا الأبواب مشرعة، ليس للعلم والمعرفة، بل لممارسات اعتبرناها يومًا "سلوكيات غريبة"، فإذا بها تصبح جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية، بتبادل ثقافي.. لكن للأسوأ.
بل كان نصيب عدن أن تحولت من معلم خبير إلى طالب بليد.
الرشوة بعد أن كانت جريمة؟ أصبحت اليوم "إكرامية مستحقة"!
والوساطة والمحسوبية؟ تحولت إلى "حق مكتسب".
أما الغش في المعاملات؟ فهذا بحد ذاته "شطارة وفهلوة".
في الوقت الذي أصبحت فيه الأخلاق العامة؟ رفاهية لم يعد أحد يكترث لها، وللأسف الشديد.
وكأن الشمال لم يكن سوى مرآة رأينا فيها مستقبلنا، فتركنا ما كنا نفتخر به، وهرولنا نحو كل ما كنا نرفضه جملة وتفصيلا.
عدن، تلك المدينة المدنية المسالمة التي كانت تفوح برائحة القانون، أصبحت اليوم نسخة باهتة من فوضى لم نكن نعرفها من قبل، حتى ثقافة الشارع تغيّرت، أصبح السب والشتم لغة التخاطب، وانتشرت السلوكيات الغريبة التي كانت يومًا مستهجنة، وكأن المدينة أصيبت بعدوى "اللا نظام". حتى فقدت عدن هويتها بفعل فاعل خبيث.
لكن السؤال المحير: كيف وصلنا إلى هنا؟
العوامل التي ساعدت في تفشي الفوضى جنوبًا
1. تغييب الدولة: عندما تغيب الدولة، يحضر الفساد والفوضى بقوة، وكأنها قاعدة رياضية لا تخطئ.
2. الاندماج القسري: الوحدة تمت دون تهيئة حقيقية، فكانت أقرب إلى احتلال إداري منه إلى اندماج بين ثقافتين مختلفتين.
3. انتقال القيادات الفاسدة إلى عدن، فكانت النتيجة تصدير أسوأ ما في الشمال دون أن نحتفظ بأفضل ما لدينا.
4. غياب المساءلة: من أمن العقاب أساء الأدب، ومن أمن الفوضى صنع من نفسه قائدا بحجم وطن.
5. الفساد المُؤدلج: تحوّل الفساد من ظاهرة شاذة إلى ثقافة عامة، ومن يمارسه لم يعد يشعر بالخجل بل بالتفوق.
6- تركيز السلطة السابقة، بأحزابها اليمنية الشمالية، على انتقاء أكثر الشخصيات الجنوبية ضعفًا وتبعيةً لتمثيل الجنوب في المشهد السياسي، كان ذلك جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى تشويه القضية الجنوبية وإضعاف تمثيلها الحقيقي.
فمن خلال اختيار شخصيات تفتقر إلى الكفاءة والاستقلالية، سعت تلك القوى إلى فرض نماذج قيادية مشوهة، يسهل التحكم بها وتوجيهها بما يخدم بقاء الهيمنة المركزية بكل عيوبها ومساوءها، مما أدى إلى إقصاء الأصوات الوطنية الصادقة وإجهاض أي محاولة لتمثيل الجنوب تمثيلًا يعكس تطلعاته الحقيقية لبناء دولة النظام والقانون، وهم أنفسهم اليوم الذين يديرون دفة البلاد إلى الهاوية.
أما كيف نعيد الجنوب كما كان؟
الحل بسيط لكنه يتطلب إرادة قوية:
1. إعادة دولة النظام والقانون: لا يكفي أن نرفع شعارات القانون، بل يجب أن نطبقه بحزم، بدءًا من رأس الهرم إلى أصغر موظف.
2. محاسبة الفاسدين بصرامة: وليس بطريقة "عفا الله عما سلف"، بل بطريقة تجعل كل مرتشٍ يفكر ألف مرة قبل مدّ يده.
3. استعادة الهوية الجنوبية من خلال التربية والتعليم والإعلام، فالأجيال الجديدة لم تعرف الجنوب القيقي، بل ولدت في الفوضى، وبعضهم من عاش فترة من كان السبب فيما وصلنا إليه اليوم، ويترحمون عليه.
4. تنظيف المؤسسات: القضاء والأمن والدوائر الحكومية تحتاج إلى إعادة تأهيل كامل، ليس فقط عبر القوانين، بل عبر تغيير العقول.
5. إحياء ثقافة العيب: لا بد أن يعود العيب إلى قاموس حياتنا اليومية، فالتطبيع مع الفساد هو ما جعلنا نصل إلى هذا المستوى من الانحدار.
ويبقى فينا بصيص أمل ما دمنا ندرك بأن التاريخ يقول إن الشعوب التي تنهض هي تلك التي تعترف بأخطائها وتتعلم منها، ونحن اليوم أمام لحظة تاريخية إما أن نختار أن نكون أبناء عدن كما كانت، أو أن نستمر في التحول إلى نسخة مشوهة من ثقافة لم تكن يومًا جزءًا منا، لنعود راكعين أذلاء مرة أخرى إلى باب اليمن.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل سنظل نتباهى بأننا أصبحنا "أكثر دحبشة" من الدحابشة، أم سنعيد للجنوب مجده الذي سرق منه على غفلة؟
وسلامتكم