ماذا تريد منا المملكة؟
ليس من باب المبالغة ولا من باب نظرية المؤامرة، أن يُطرح هذا السؤال اليوم بوضوح: ماذا تريد المملكة العربية السعودية من الجنوب؟
فالتجربة، لا الخطابات، هي التي تجيب.
منذ اللحظة الأولى، كان الموقف السعودي واضحًا وإن لم يُعلن دائمًا بصوت عالٍ:
وجود جنوب قوي، صاحب قضية وهوية وحدود، على خاصرتها الجنوبية، يُنظر إليه كتهديد للأمن القومي السعودي.
وقد قيل هذا صراحة في غرف السياسة المغلقة، وتُرجم عمليًا على الأرض.
من يراهن على أن المملكة ستمنح الجنوبيين دولة، يراهن على وهم.
فالدول لا تُمنح، والسيادة لا تُوزَّع كهبات، ومنطق المصالح لا يعرف العواطف ولا التضحيات.
السعودية تدرك – وتدرك جيدًا – أن الجنوبي بطبيعته صلب في مسألة الأرض، لا يقايض السيادة، ولا يفتح حدوده مقابل المال أو الوعود.
وفي المقابل، وجدت – تاريخيًا وسياسيًا – في الشمال مرونة أكبر في عقد الصفقات، والتنازل، والتكيّف مع ما يُطلب، متى ما كان المقابل ماليًا أو سياسيًا.
ومن هنا، يصبح الجنوب مشكلة لا فرصة.
مشكلة لأن مشروعه واضح: أرض، هوية، دولة.
وفرصة ضائعة لأن هذه المعادلة لا تُدار بالشيكات ولا بالخدمات المؤقتة.
ما يجري اليوم هو محاولة مساومة طويلة النفس:
خدمات مقابل الصمت،
رواتب مقابل التنازل،
معيشة محسّنة مقابل قضية مؤجلة،
ووحدة مُعاد تدويرها كقدر لا فكاك منه.
لكن الحقيقة المُرّة أن لا الشمال كشعب ولا الجنوب كشعب خرج يومًا مستفيدًا من التدخل السعودي.
ما حصدوه كان حروبًا بالوكالة، وانقسامات، واستنزافًا، وخرابًا، وانتهاكًا للسيادة، تحت لافتة “الأخ الأكبر” و”قائد العرب” و”حامي الاستقرار”.
الدول العظمى – ناهيك عن الإقليمية – لا تتحرك بدافع الأخوّة، بل بدافع المصلحة.
والمصلحة السعودية، كما تُدار اليوم، لا ترى في الجنوب شريكًا، بل ملفًا يجب ضبطه، أو تحييده، أو إفراغه من جوهره السياسي.
الخطورة لا تكمن في وضوح الموقف السعودي، بل في استعداد بعض النخب المحلية لتسويق الوهم، وتجميل المقايضة، وتقديم التنازل على أنه “واقعية سياسية”.
القضية الجنوبية ليست ضد أحد،
لكنها أيضًا ليست قابلة للبيع،
ولا يمكن اختزالها في خدمات،
ولا دفنها تحت شعارات الوحدة القسرية.
من لا يفهم هذه المعادلة اليوم،
سيفهمها غدًا…
فتأملوا




