حيـن نُنصـف عـدن، نُنصـف ضمـيرنا أولًا
عـدن ليست مجرد مدينة على خريطة اليمن، وليست ميناءً يُختزل في الأرصفة والسفن، بل هي ذاكرة وطنٍ نابضة، ومرآةٌ تعكس تاريخًا من التعايش والتنوع والانفتاح، ووجهًا مشرقًا من وجوه اليمن حين كان الأمل أكبر من الألم.
هـذه المدينة التي عانقت البحر واحتضنت القادمين من كل الجهات، تستحق اليوم أكثر من مجرد وعودٍ عابرة أو حلولٍ مؤقَّتة؛ إنها تستحق إنهاءً حقيقيًا لمعاناتها الممتدة.
لـقد أنهكتها سنوات من الاضطراب، وتراكمت فوق كاهلها أزماتٌ أثقلت حياة أهلها: خدماتٌ متردِّية، اقتصادٌ مُنهَك، وأفقٌ يضيق كلما اتسعت دائرة الصراع حولها.
ومـع ذلك، ظـل أبناء عدن متمسكين بروح المدينة؛ روح الصبر والكرامة والعمل، يواجهون الظلام بابتسامة، ويقابلون العسر بالأمل.
إن عـدن لا تطالب بالمستحيل، بل تطالب بحقها الطبيعي في الاستقرار والعدالة والتنمية؛ تطالب بـدولةٍ تحميها لا تُثقلها، وبإدارةٍ تخدمها لا تتاجر بمعاناتها، وبمشاريعَ تُعيد إليها دورها التاريخي كمحورٍ اقتصادي وثقافي يربط اليمن بالعالم.
إن إنـهاء معاناة عـدن ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية؛ فحـين تنهض عدن، ينهض معها جزءٌ أصيل من اليمن؛ وحين تُظلم عدن، يظلم معها الأفق الوطني كله.
"هـذه المدينة التي كانت دائمًا بوابة الضوء، لا يجوز أن تبقى أسيرة العتمة"
المطلـوب اليوم رؤيةٌ صادقة وشراكةٌ حقيقية بين السلطة والمجتمع، تُقدِّم الإنسانَ قبل الحسابات، والمصلحةَ العامة قبل المصالح الضيقة.
المطلـوب أن تُعاد لعدن كرامتها الخدمية، وأن تُفتح أمام شبابها أبوابُ الفرص بدل أبواب اليأس، وأن يشعر مواطنها بأن صوته مسموع وحقُّه مصون.
عـدن تستحـق أن تتنفس بلا انقطاع كهرباء، وأن تسير شوارعها بلا قلق، وأن يعود ميناؤها نابضًا بالحياة، وأسواقها عامرة، ومدارسها وجامعاتها مناراتٍ للعلم، ومستشفياتها ملاذاً آمنًا لا محطةً للألم.
إن هـذه المدينة ليست عبئًا على الوطن، بل ركيزةٌ من ركائزه؛ ومـن واجب الجميع - دولةً ومجتمعًا - أن يعملوا بصدقٍ لإنهاء معاناتها، لأن عدن حين تُنصف، يُنصف اليمن كله معها.
إن إنـهاء معاناة عدن ليس مجرد ملفٍ يُغلق، بل هو ميثاق أخلاقي وعقد تاريخي بين اليمن ومصيره؛ عـدن التي احتضنت الجميع، لا يجوز أن تكون ضحية للجميع.
واجـبنا الوطـني يحتم علينا أن نكون أمناء على ذاكرتها النابضة، وأن نتحول من حديثٍ عن "إنـقاذها" إلى عملٍ دؤوب من أجل إطلاق طاقاتها.
فـ ليكـن شعارنا جميعًا: "عـدن تستحـق".
تستحـق أن تكون البداية الحقيقية ليمنٍ جديدٍ، يُبنى ليس على أنقاض الماضي، بل على جسور من العدالة والجدارة والتخطيط السليم؛ لأن السلام الحقيقي لا يُعلن ببيانات، بل يُصنع عندما يشعر الإنسان في عدن بأن كرامته مصانة، وأن غده ملكٌ لاختياره وجهدِه.
فـ عنـدما تشرق شمس عدن بلا دخـان... سيشرق فـجر اليمن كـله.
عـدن تستحق الحياة، وتستحق السلام، وتستحق أن تُردَّ إليها ابتسامتُها التي غابت طويلاً.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 20. يناير. 2026م
.




