"مُراد شُراعِيّ قائد لواء تهامة الرابع رفيق المبدأ"
كاتب : د/ علي عفيفي الأهدل
حينُ يَصيرُ المبدأُ رايةً لا تُنَكَّس
في الأزمنةِ التي تُختَبَرُ فيها الرِّجال، لا يَثبُتُ إلا مَن تَجَذَّرَ المبدأُ في دِمائه، ولا يَصمُدُ إلا مَن عَرَفَ أنَّ القِيَمَ أثمَنُ مِنَ الدَّراهِم، وأنَّ الوفاءَ أعظمُ مِن كُلِّ إغراء. وفي هذا السِّياقِ يَتَقدَّمُ اسمُ القائد مُراد شُراعِيّ، قائدُ لواءِ تِهامَةَ الرَّابع، لا كاسمٍ عابرٍ في سجلِّ القادة، بل كقِصَّةِ رُجولةٍ تُروى، ومَدرسةِ مَواقفَ تُدرَّس.
لقد وَقَفَ مُراد شُراعِيّ وقوفَ الرِّجالِ الأحرار، مُتراصًّا مع قائده الشيخ عبدالرَّحمن حَجري، وقفةً لا تعرفُ التَّردُّد، ولا تُجيدُ الالتفاتَ إلى زَخارفِ المال، لأنَّ عينيه كانتا معلَّقتين بالمبدأ، وقلبه موصولًا بالقيمة، وروحه مشدودةً إلى العهد. لم تُغْوِهِ الدَّراهِمُ حين تَهاطَلَت، ولم تُثْنِهِ الضُّغوطُ حين تَكاثَفَت، إذ كان يعرفُ جيِّدًا أنَّ مَن باعَ مبدأه خَسِرَ نَفْسَه، وإن رَبِحَ الدُّنيا.
تَرَبَّى مُراد شُراعِيّ على القيمِ قبلَ أن يَحمِلَ السِّلاح، ونَشَأَ على الشَّهامةِ قبلَ أن يَعتليَ مواقعَ القيادة؛ تَشَرَّبَ ذلك في بيتِ والديه، حيثُ يُصاغُ الرِّجالُ على مَتْنِ الصِّدق، ثم ازدادَ صَلابةً وحِكمةً في مدرسةِ قائده الشيخ عبدالرَّحمن حَجري، الذي لم يكن له قائدًا فحسب، بل كان له أخًا أكبر، ومرجعًا، وقدوةً في الثباتِ ونُبلِ الغاية.
ومن هنا، فإنَّ عظمةَ مُراد شُراعِيّ لا تنفصلُ عن عظمةِ لواءِ تِهامَةَ الرَّابع؛ فهو قائدٌ لم يَحْمِلِ الرُّتبةَ زينةً، بل حَمَلَها أمانة، ولم يَعتلِ الصَّدارةَ طَلَبًا للذِّكر، بل تَقدَّمَ حين ناداها الواجب. قائدٌ إذا عاهدَ وفى، وإذا اختارَ اختارَ الصَّعبَ لأنَّه الأصدق، وإذا وَقَفَ وَقَفَ حيثُ يجبُ أن يَكونَ الرِّجال.
إنَّ لواءَ تِهامَةَ الرَّابع، بقيادةِ مُراد شُراعِيّ، ليس مجرَّدَ تشكيلٍ عسكري، بل عنوانُ مرحلةٍ، وشاهدُ مبدأ، وصوتُ وفاءٍ يقولُ بملءِ الفم: إنَّ القادةَ الحقيقيين لا يُقاسون بما يَملكون، بل بما يَثبتون عليه، ولا يُعرَفون بما يَأخذون، بل بما يَحمون.
سلامٌ على القادةِ حين يَصدُقون، وسلامٌ على مُراد شُراعِيّ يومَ اختارَ المبدأَ طريقًا، والوفاءَ رفيقًا، وتِهامَةَ قِبلةً لا تُساوَم.
…وسلامٌ عليه يومَ أثبتَ أنَّ القيادةَ ليست صَوتًا يَعلو، بل موقفٌ يَثبُت، وليست أوامرَ تُصدَر، بل قِيَمٌ تُجسَّد، وأنَّ القائدَ الحقَّ هو الذي يَسيرُ أمامَ رجاله حين يَشتدُّ الخطر، ويَقِفُ بينهم حين تُغري الفتن، ويَتقدَّمُهم حين يَحتاجُ الطريقُ إلى قلبٍ لا يَرتجِف.
لقد كان مُراد شُراعِيّ في لواءِ تِهامَةَ الرَّابعِ عقلًا يُحسِنُ التقدير، وقلبًا يَعرِفُ الرِّفق، ويدًا لا تَرتعِشُ ساعةَ الحَسم. جمعَ بين الحِزمِ حين يَجِب، والحِكمةِ حين تَقتضيها المصلحة، فالتفَّ حوله رجاله لا خوفًا من سُلطته، بل ثقةً في عدله، وإيمانًا بصدقه، ويقينًا بأنَّه لا يَزُجُّ بهم في طريقٍ لم يَسلكه هو أوَّلًا.
وحين نذكرُ ثباتَه إلى جانبِ الشيخ عبدالرحمن حَجري، فإنَّنا لا نَذكُرُ مجرَّدَ علاقةِ قائدٍ بمَن تحت قيادته، بل نَذكُرُ أُخوَّةَ موقفٍ، ورابطةَ مبدأٍ، ووحدةَ غاية. كان مرادٌ الأخَ الأصغرَ الذي كَبُرَ بالموقف، واشتدَّ بالعهد، حتى صار سندًا لا يُخذِل، وذراعًا لا تُكسَر، وصوتًا للحقِّ حين يَصمُتُ كثيرون.
وهكذا تُبنى الأوطان، لا بكثرةِ الشِّعارات، بل برجالٍ من طرازِ مُراد شُراعِيّ؛ رجالٍ إذا خُيِّروا بين المصلحةِ العاجلةِ والكرامةِ الباقيةِ، اختاروا الكرامة، وإذا وُضِعَ المالُ في كفٍّ والمبدأُ في كفٍّ، رجَّحوا المبدأ، لأنَّهم يعلمون أنَّ المالَ يَفنى، أمَّا القِيَمُ فتبقى.
إنَّ تاريخَ تِهامَةَ سيَذكُرُ أنَّ في زمنِ الالتباسِ وُجِدَ قائدٌ لم يَلتَبِس، وفي زمنِ التردُّدِ وُجِدَ رجلٌ حَسَم، وفي زمنِ المساوماتِ وُجِدَ مَن قال: «هنا نقف، وهنا لا نبيع». وتلك هي العظمةُ بعينِها؛ أن تكونَ صادقًا حين يَكذِبُ الضجيج، وثابتًا حين تَميلُ الرِّياح.
فطوبى للواءِ تِهامَةَ الرَّابعِ بقائده، وطوبى للقائدِ برجاله، وطوبى للمبدأِ حين يجدُ من يَحرسُه.
ذلك هو مُراد شُراعِيّ… قائدٌ إذا ذُكِرَتِ الرِّجالُ، كان في صَدرِ الحديث، وإذا ذُكِرَتِ المواقفُ، كان عنوانَها. ..




