في اليوم العالمي للمنطق... متى يستطيع الإنسان العربي التفكير بعقله الشخصي؟...



ظلّ العقل العربي–الإسلامي، عبر قرون طويلة، خاضعًا لسلطة الفقهاء وسطوتهم الفعلية والرمزية الدينية والسياسية ، حتى باتت هذه السلطة إطارًا معرفيًا شاملًا يتحكم في فضاءات التفكير والسلوك والمخيال الجمعي. فقد نصب الفقهاء أنفسهم أوصياء على كل ما يمتّ بصلة لحياة الإنسان اليومية والوجودية؛ بدءًا من تفاصيل استيقاظه ونومه، وما يتخللهما من آداب الأكل والشرب واللباس والحمّام والتسوّق والتحية، وصولًا إلى الزواج والطلاق والمواريث والتجارة والتعليم والتربية والاحتجاج والحزن والفرح وطقوس العبور من الميلاد إلى الموت والتكفين والدفن. بل امتد نفوذهم إلى ميادين الطبيعيات والإنسانيات والطب والفلك والاقتصاد والتاريخ والسياسة والفنون والجماليات والأدب واللغة، وحتى قضايا العلم الحديث والإعجاز العلمي والتكنولوجيا والبيئة وحقوق الإنسان والذكاء الاصطناعي؛ وكأن المعرفة كلها لا تستحق شرعية الوجود إلا إذا أُدرجت تحت فتوى أو قياس تبرير . وهكذا تم اختزال العقل في وظيفة واحدة: الاجتهاد داخل قوالب موروثة لا يسمح بتجاوزها.
في ظل هذا الهيمنة الشاملة ، لم يكن للفلاسفة والعلماء — بمفهومهما الإنساني الكوني — مكان معترف به، ولا حماية تمنحهم شرعية التفكير المستقل أو حقّ مساءلة المسلّمات. فالقضايا الكبرى التي تخصّ أصل الوجود، والعلة الأولى، والحرية الإنسانية، وطبيعة الزمان والتاريخ، وكيفيات إدراك المبادئ الأخلاقية، بقيت جميعها محجوزة داخل أسوار النسق الفقهي، تُمنع عنها أدوات الشكّ والنقد والاستنباط العقلي إذ أن غياب دور العلماء الحقيقيين والفلاسفة المستنيرين وتهميش قيمتهم ومكانتهم الاجتماعية في المجتمعات العربية الإسلامية التقليدية بالقياس إلى الحضور الطاغي لفئات اجتماعية أخرى أمثال: المشتغلين في مجالات الايديولوجيا السياسية والسلطة والفقهاء ووعاظ السلاطين والعسكريين وشيوخ القبائل وزعماء الطوائف وغيرهم من النخب التقليدية الذين مازالوا يشغلون ادوارا اجتماعية بالغة التأثير والنفوذ ويتمتعون بقيمة ومكانة اجتماعية عالية ومقدرة خير تقدير، في حين ان المشتغلين بالمعرفة العلمية والمؤسسات الأكاديمية مازالوا يعانون من عدم الاعتراف بدورهم الاجتماعي والمهني إن هذا النمط من الهيمنة لا يقتصر، كما يقول توماس كون، على فرض ايديولوجية محددة تعرقل تقدم المعرفة، بل يفرض براديغمًا مغلقًا يتحول إلى بنية للوعي نفسه، ويعيد إنتاج العالم وفق رؤيته الخاصة. وطالما بقيت البنية ذاتها فسوف تستمر في إعادة إنتاج البضاعة ذاتها سنين بعد سنين وأعوام بعد أعوام وقرون بعد قرون والناس يتقدمون طبعا. وطالما تم تقييد العقل وتدجينه وتوجيهه، فلم يعد العلم بحثًا في الحقيقة، بل شرحًا لفتوى، ولم تعد الفلسفة نقدًا أو ابتكارًا، بل تبريرًا واجب الطاعة.لقد تحولت سلطة الفقهاء من سلطة نص إلى نظام وجود شامل، ومن وظيفة دينية إلى مؤسسة ضبط معرفي، تُقصي المخيلة، وتراقب السؤال، وتختزل العقل في التكرار، وتقمع كل إمكان للتجديد، أو لفتح أفق حضاري بديل وهذا فحوى كتاب توبي هب ( فجر العلم الحديث؛ الإسلام والصين والغرب) إذ اشار إلى غياب دور معترف به ومقدرا خير تقدير للمشتغلين في العلوم الوضعية والاجتماعية والإنسانية أقصد العلوم التي تنفع الناس وتمكث في الأرض بحسب الآية الكريمة ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الرعد17) قال سبحانه وتعالى ( ما ينفع الناس ) ولم يقل ما ينفع الله أو ملائكته كلام واضح وصريح لك ذي عقل سليم. النفع ، من النفاعة بمعنى ما يسهل حياة الناس ويجعلها أحسن وأيسر وأطيب واريح واجود وأقدر واقوى وارفع وليس هناك ما هو اعظم من العلوم الطبيعية والإنسانية نفعا للناس القاطنين هنا على كوكب الأرض المذكورة في الآية الكريمة( ما ينفع الناس يمكث في الأرض) خلاصة كل معنى وتفسير وتأويل عقلاني سليم . فحيثما ترى شيء نفع الناس في حياتهم هنا في هذه الدنيا الأرضية فاعلم أنه طيب ( الكهرباء والماء والسيارات والطائرات والسفن والإدارية والجسور والتلفون والإنترنت وكل شئ استفاد منه الناس بما في ذلك المطر والعسل والماء والبحر الذي فيه السمك وفيها فوائد للناس بحسب كلام عبدالملك الحوثي الذي نصب نفسه وليا على اليمن بما لم ينزل الله به من سلطان تلك الآية بالنسبة لي هي معيار كل شيء؛ ما ينفع الناس وما لا ينفعهم ، ما يفيد الناس وما لايفيدهم ما يمكث في الأرض وما يصير هباءً منثورا. قال الناس ولم يقل الذات الفردية والخير يخص والشر يعم. الحاجات التي تنفع الفرد ومنها ؛ الإيمان والاعتقاد والعبادات والشعائر هي خاص وذاتية ولا دخل لأحد فهيا أبدا تتصل بالعلاقة بين الذات الفردية وما تأمن به اقصد ربها وتلك أشياء لا احد يراها ولا تمكث في الأرض بعد وفاة صاحبها. أما ما ينفع الناس جميعهم وفيه مصلحتهم ونفعهم فهو الأهم والأجدى والدائم والجدير بالسعي والعمل والاهتمام وكل ما عدا ذلك خزعبلات وتخريف وبيع للأوهام. كتب توني هب في دراسته المقارنة بين الحضارات الثلاثة الإسلامية والصينية والغربية قائلا" لم يكن لعلماء الطبيعة العرب دور معترف به اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يوازي دور الفقهاء من حيث السلطة والنفوذ، بل كانت بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام ذات طبيعة جعلت طلب العلوم الوضعية والعقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك ويجلب لأصحابها كثيراً من المتاعب والتهم الخطيرة على حياتهم( توبي أ .هب ،المرجع السابق ، ص73).

إذ معناه أن  سلطة الفقهاء وسطوتهم كانت شاملة بحيث لم يتركوا شيئاً للعلماء والفلاسفة ليقولوه، بل إن الفلاسفة وعلماء الإنسانيات لم يكن لهم وظيفة ودور معترف بهما في المجتمع، ومن ثم لم تكن لهم حماية، إذا ما أردوا التعبير عن آرائهم بشأن القضايا الفكرية بحرية، كمسألة خلق العالم، والعلية الطبيعية، والحرية الإنسانية، وما إذا كان بإمكان الإنسان الوصول إلى المبادئ الأخلاقية عن طريق الرؤية العقلية بعبارة توماس كون( توبي أ.هب، المرجع السابق، ص86).