"اجتماعُ الكَلِمَةِ في تِهامَة… حينُ يكونُ الوِفاقُ فَريضةَ الوَقْت"...
منبر الاخبار / منبر الرأي ..
بقلم د/علي عفيفي الأهدل.....
في الأزمنةِ المُضطربة، لا تُقاسُ الأممُ بما ترفعه من شعارات، بل بما تُحسنه من جمعٍ للكلمة، ورأبٍ للصدع، وتقديمٍ للعقل على الانفعال. وتهامةُ—بتاريخها العريق، وإنسانها البسيط العميق، وأرضها التي عرفت الصبر قبل أن تعرف الخصومة—تقف اليوم أمام امتحانٍ دقيق، لا ينجح فيه إلا من أدرك أن التفرّق ليس اختلافًا، بل انكسارٌ بطيءٌ لا يُسمَع له صوت.
إنَّ اجتماع الكلمة في تهامة ليس ترفًا فكريًا، ولا خيارًا مؤجَّلًا، بل هو ضرورةُ بقاء، ومفتاحُ عبورٍ من زمن الاستنزاف إلى أفق التعافي. فحين تتشظّى الصفوف، يسهل على العواصف أن تعبث بالمراكب، وحين تتنازع الأصوات، تضيع البوصلة ولو كان الطريق واضحًا.
وما أحوجنا اليوم إلى بحثٍ صادقٍ عن الهدف، لا عن الغلبة؛ وعن الثمرة المنشودة، لا عن تسجيل المواقف. فالأهداف الكبرى لا تُنال بالانفعال، ولا تُبنى على تصفية الحسابات، وإنما تُشيَّد على أرضيةٍ من الوعي، وسقفٍ من الحكمة، وجدرانٍ من الثقة المتبادلة. إنَّ السؤال الحقيقي ليس: من نُقصي؟ بل: كيف ننجو جميعًا؟
لقد علّمتنا التجارب أن التفرّق يبدأ حين يُقدَّم الجزء على الكل، والرأي على المصلحة، واللحظة على المستقبل. أما الاجتماع، فيبدأ حين نُحسن الإصغاء قبل الرد، والتفكير قبل الاتهام، والنظر إلى المآلات قبل الغرق في التفاصيل. فكم من خلافٍ لو أُحسن تدبيره لكان مصدرَ قوة، وكم من وحدةٍ مُدَّعاةٍ كانت في حقيقتها صمتًا هشًّا يخفي تصدّعًا عميقًا.
وتهامة، بما فيها من تنوّعٍ اجتماعي وثقافي، لا تحتاج إلى صهرِ الأصوات في صوتٍ واحد، بل إلى تناغمها في مقصدٍ واحد. فالوحدة ليست إلغاءً للاختلاف، وإنما إدارةٌ رشيدةٌ له، تُحوِّله من معول هدم إلى رافعة بناء. وهنا تتجلّى الحكمة: أن نختلف دون أن نفترق، وأن نتحاور دون أن نتخاصم، وأن نبحث عن المشترك لا لنُلغِي الخصوصيات، بل لنحميها.
إنَّ الثمرة المنشودة من اجتماع الكلمة ليست نصرَ فئةٍ على أخرى، بل نجاةُ المجتمع كلّه؛ ليست إسكات الأصوات، بل توجيهها؛ ليست كسب الجولة، بل حفظ الطريق. فالأوطان لا تُبنى بالمنتصرين وحدهم، بل بالمتعافين جميعًا.
وفي خضمّ هذه الأوضاع، يبقى الأمل معقودًا على العقلاء، على أولئك الذين يدركون أن الحكمة في زمن الفتنة شجاعة، وأن التنازل عن بعض المواقف الصلبة قد يكون هو عين الثبات على المبدأ. فليكن اجتماع الكلمة في تهامة عهدًا أخلاقيًا قبل أن يكون اتفاقًا سياسيًا، ومسؤوليةً جماعية قبل أن يكون مطلبًا مرحليًا.
وحين نجتمع على الهدف، تُثمر الطريق.
وحين نُقدّم الحكمة، تخجل الفتنة.
وحين نختار الوفاق، تُنقذ تهامة نفسها… ويكتب التاريخ أننا فهمنا الدرس في وقته.
…ويكتمل الدرس حين ننتقل من القول إلى الفعل، ومن النوايا إلى السلوك، ومن الأمنيات إلى برامج عملٍ واعيةٍ هادئة.
فاجتماع الكلمة لا يتحقق بالخُطب وحدها، ولا بالبيانات مهما بلغت بلاغتها، بل يتحقق حين يتحوّل الوعي إلى ممارسة، والحكمة إلى منهج، والاختلاف إلى طاقةٍ منضبطةٍ لا وقودَ فتنة. إن أخطر ما يهدد المجتمعات في مثل هذه الأوضاع ليس العدو الظاهر، بل الشرخ الداخلي حين يُترك بلا علاج، فيتسع حتى يصير هو العدو الأول.
ومن هنا، فإن البحث الجاد عن الهدف يقتضي شجاعة المراجعة، والاعتراف بالأخطاء دون مكابرة، وفهم الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون. فكم من صراعٍ طال أمده لأن أصحابه لم يسألوا أنفسهم بصدق: إلى أين نمضي؟ وماذا سيبقى بعد أن تهدأ العاصفة؟ إن الحكيم لا يُقاس بحدّة موقفه، بل بقدرته على رؤية ما بعد الموقف.
وتهامة، بتاريخها الممتد في عمق الإنسان قبل عمق الجغرافيا، لا تستحق أن تكون ساحة تصفية، بل مساحة التقاء؛ لا تستحق أن تُستنزف في خلافات صغيرة، بل أن تُصان لمشروعات كبيرة. فالأرض التي أنجبت الصبر، قادرة على أن تُنجب التعقّل، والبيئة التي اعتادت التعايش، لا يليق بها أن تُؤدلَج الفُرقة باسم المصلحة.
إن الثمرة المنشودة من هذا الاجتماع ليست آنيةً ولا شكلية، بل ثمرة بعيدة الجذور، ثابتة الساق، وارفة الظلال:
ثمرةُ أمنٍ اجتماعي، وطمأنينةٍ عامة، وثقةٍ تُرمَّم بين الناس، ومؤسساتٍ تُبنى على التوافق لا على الإقصاء، وعلى الشراكة لا على المغالبة. فحين يشعر الإنسان أن صوته مسموع، وكرامته مصونة، ومستقبله غير مُرتهن، يصبح تلقائيًا حارسًا للوحدة لا خصمًا لها.
وليس من الحكمة أن ننتظر الكمال لنجتمع، فالكمال وهمٌ في عالم البشر، وإنما الحكمة أن نجتمع رغم النقص، وأن نُدير الخلاف بدل أن نُطلقه، وأن نُقدّم مصلحة تهامة العليا على كل مصلحةٍ جزئية، أيًا كان لونها أو عنوانها.
إن اجتماع الكلمة في تهامة اليوم هو اختيار أخلاقي قبل أن يكون خيارًا سياسيًا، وهو امتحان للضمير الجمعي:
هل نريد وطناً يتّسع للجميع، أم انتصاراتٍ ضيقة تُخلّف فراغًا واسعًا؟
هل نبحث عن لحظة تصفيق، أم عن زمن استقرار؟
فإذا صدقت النيّات، تلاقت العقول.
وإذا تلاقت العقول، اجتمعت القلوب.
وإذا اجتمعت القلوب، صار المستقبل ممكنًا.
وهكذا، لا يكون اجتماع الكلمة شعارًا يُرفع، بل طريقًا يُسلك، ولا يكون الوفاق ضعفًا، بل أعلى درجات القوة، ولا تكون الحكمة تراجعًا، بل تقدّمًا هادئًا لا يراه المتعجلون… لكنه وحده الذي يُثمر.
فهو مجلسُ الجنوبِ الوطنيُّ الشامل يجتمعُ اليوم في ظلِّ ترحيبِ المملكةِ العربيةِ السعودية، ترحيبٍ لا يُقرأ بوصفه إجراءً سياسيًا فحسب، بل يُفهم باعتباره مساحةَ أمانٍ للحوار، وفرصةً تاريخيةً لالتقاء العقول قبل تصادم الإرادات. وفي هذا السياق الدقيق، نُدرك أن اللحظة لا تحتمل الترف، ولا تُجيد لغة الاستقطاب، بل تستدعي خطابًا جامعًا، ونَفَسًا طويلًا، وبصيرةً ترى أبعد من حدود اللحظة.
ونحن، إذ نُعلن رغبتنا الصادقة في جمع الكلمة التهامية، لا ننطلق من موقع اصطفافٍ ضد أحد، ولا من منطلق انتصارٍ لرأيٍ بعينه، وإنما من إحساسٍ عميقٍ بالمسؤولية تجاه الإنسان التهامي، وتجاه أرضٍ دفعت ثمن التشرذم أكثر مما تحتمل. فتهامة لا تطلب امتيازًا، بقدر ما تطلب عدالة التمثيل، وصدق النوايا، وضمان أن تكون شريكةً لا هامشًا، وحاضرةً لا مُلحقة.
إن جمع الكلمة التهامية لا يعني اختزالها في صوتٍ واحد، ولا مصادرتها باسم الوحدة، بل يعني تنظيم اختلافها، وترتيب أولوياتها، والالتقاء على ثوابتها الكبرى: أمن الإنسان، وكرامة المجتمع، وحماية النسيج الاجتماعي من التمزق. فالوحدة التي تُبنى على الإقصاء هشّة، أما الوحدة التي تُبنى على الشراكة فهي التي تصمد عند الاختبار.
وفي ظل هذا الاجتماع، تصبح المسؤولية مضاعفة على النخب، والوجهاء، وأهل الرأي، أن يرتفعوا فوق الحسابات الضيقة، وأن يدركوا أن الفرصة إذا ضاعت اليوم قد لا تعود غدًا بالشروط نفسها. فالمملكة، بما تمثله من ثقلٍ إقليمي، وحرصٍ على الاستقرار، فتحت بابًا للحوار، وليس من الحكمة أن يُقابل هذا الباب بضجيج الخلاف، بل برشد الاختلاف.
إننا نريد لتهامة أن تدخل هذا المسار وهي متماسكة الرؤية، واضحة المطالب، هادئة الخطاب، قوية بالحكمة لا بالانفعال. نريدها حاضرةً بقيمها، بتاريخها، وبإنسانها الذي يعرف معنى الصبر، لكنه لا يقبل الظلم، ويُحسن التعايش، لكنه لا يرضى بالتهميش.
فإذا نجحنا في جمع الكلمة التهامية، لم نكن قد خدمنا تهامة وحدها، بل أسهمنا في ترسيخ نموذجٍ وطنيٍّ أوسع، يُثبت أن الوفاق ممكن، وأن الاختلاف لا يعني الانقسام، وأن الأوطان تُبنى حين يتقدّم العقل، وتتراجع الأنا، وتعلو المصلحة العامة.
وهكذا، يكون الاجتماع بدايةَ طريق،
وتكون الحكمة زادَه،
ويكون جمعُ الكلمة التهامية ثمرةً تُنقذ الحاضر، وتؤمِّن المستقبل.




