مـتى يحـمل شبابنا الشـهاداتِ العـليا… لا الأسـلحةَ الحـديثة؟



فـي وطنٍ أرهقته الحروب، وأتعبت روحَه دوراتُ العنف المتعاقبة، يظلّ السؤال الأكثر إيلامًا هـو: إلى متى سيُدفع شبابُنا إلى ساحات القتال بدلَ أن يُقادوا إلى ساحات العلم؟

مـتى نـدرك، كدولةٍ ومجتمع، أن مستقبل الأوطان لا يُبنى بفوهات البنادق، بل بعقولٍ مُتعلِّمة، وقلوبٍ مؤمنة بقيمة المعرفة، وسواعدَ تعمل لا لتدمير الحياة بل لصناعتها؟

"لـقد تحوّلت سنوات الشباب - وهي أثمن ما تملكه الأمم - إلى وقودٍ لصراعاتٍ لا رابح فيها" 

سُحِـبت الطاقات من الجامعات والمعاهد، ودُفعت إلى المتارس والخنادق، فخسرنا الطالب قبل أن يصبح عالمًا، والباحث قبل أن يبتكر، والطبيب قبل أن يُنقذ، والمهندس قبل أن يُعمِّر، والقاضي قبل أن يجلس على منصة الحكم؛ إنّها خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بسنواتٍ ضائعة من الأمل.

إن تجـنيب البلاد والشباب الصراع الدامـي ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية. فكلُّ طلقةٍ تُطلَق تُطفئ فكرة، وكلُّ معركةٍ تُخاض تؤجِّل نهضة؛ ولا نهـضة بلا تعليم، ولا تعليم بلا أمنٍ وسلام. 

حـين تُفتح أبواب المدارس والجامعات على مصاريعها، تُغلَق تلقائيًا أبواب التطرف واليأس؛ وحـين نُعلي من شأن الشـهادة العـليا، تُصبِح الأسلحة الحديثة فائضًا عن الحاجة، لا معيارًا للبطولة ولا وسيلةً لإثبات الذات.

نحـتاج إلى قـرارٍ شجاع ينقل شبابنا من ساحات المعارك إلى ساحات التفوق العلمي، ومن لغة الدم إلى لغة المختبر، ومن ضجيج الرصاص إلى هدوء المكتبات؛ نحـتاج إلى سياساتٍ تُعيد الاعتبار للعلم، وتستثمر في الإنسان، وتكفل للطالب بيئةً آمنة، ومنحًا عادلة، وفرصًا متكافئة، ومسارًا واضحًا من مقاعد الدراسة إلى منصّات الإنجاز.

"كـفى أن يُزفَّ صُنّاع الغد إلى القبور بدل أن يصعدوا إلى منصّات التكريم. كـفى أن نرثي العقول قبل أن نمنحها فرصة الحياة"

إن تكـريم الشهادة ليس احتفالًا شكليًا، بل هو عقدٌ اجتماعي جديد، يُعيد ترتيب الأولويات، ويضع المعرفة في موقع القيادة، والسلام في قلب المشروع الوطني.

حينـها فقط - حين نختار العلم طريقًا، والإنسان غاية - سيحمل شبابُنا الشهاداتِ العليا لا الأسلحة الحديثة، وستنهض البلاد لا على أنقاض الألم، بل على أسسٍ راسخة من الوعي والكرامة والأمل.

فليـس الهدف هو مجرد إسكات دويّ الرصاص، بل تحويل تلك الطاقة الهائلة من عنف مدمِّر إلى إبداعٍ مُنْتِج. 

لنـبدأ بتحويل المعسكرات إلى مختبرات، والثكنات إلى كليات، والذخيرة إلى منح دراسية؛ لنجعل بطولتنا في عدد براءات الاختراع، ومعاركنا في قاعات المناظرات العلمية، وغنائمنا في عقول أبنائنا التي ستغدو كنز الأمة الحقيقي.

حينـئذٍ، ستكـون الشهادة العليا هي "الـسـلاح" الوحيد الذي نفتخر بتسليح شبابنا به، لأنه لا يُستخدم لسلب حـياة، بل لإحياء وطـن.

د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 11. يناير. 2026م

.