المجلس الانتقالي الجنوبي... ومن يهن الله فما له من مكرم
ومن يهن الله فما له من مكرم هي آية تعتبر قانونا إلهيا ثابتا،الإهانة لا تنزل فجأة بل تبدأ حين ينحرف المشروع عن قيمه الأولى،وحين تتحول القضية من عدل جامع إلى سلطة إقصاء فهنالك تبدأ مرحلة السقوط بصمت،وخلال عشر سنوات صنع المجلس الانتقالي الجنوبي أسباب هوانه بيديه لا بأعدائه،إذ استبدلت الرسالة العامة بعقلية الغلبة وضاق الأفق عن الشراكة،فتآكلت الحقيقه وتبددت الثقة مهما بدا المشهد قويا،وكانت العنصرية والاستعلاء من أخطر مظاهر هذا المسار.
قُسّم الجنوبيون إلى مراتب وولاءات وأُلغيت المساواة،وتحوّلت الشراكة إلى وصاية تُدار من أعلى بلا محاسبة،وأُغلق باب النصيحة وعدّ الناصح خصما لا مصلحا،فانقطعت الصلة بالناس وسُمِع صدى الصوت الواحد فقط،وتراجعت الأخلاق العامة لصالح منطق القوة،ثم جاء الفساد كنهج قائم ودرب يسير عليه
فاستُبيحت الأموال وتراجعت الخدمات وتبددت الأولويات،وتقدمت المصالح الضيقة على الكفاءة والأمانة والمسؤولية،وتحوّل النفوذ إلى غنيمة والسلطة إلى وسيلة ومكسب،وترسخ الظلم حتى صار أداة حكم؛ لا استثناء فيها،وقُمعت الآراء الحرّة وشُوّهت السمعة والفطرة وغاب الاحتكام للحجة
ولا يمكن إغفال ما جرى لكثير من المظلومين منهم من نجا ومنهم من لم ينجو،وعلى الخصوص الشيخ أنيس الجردمي اليافعي بوصفه علامة كاشفة، إذ استُهدف خارج أي إطار قانوني وعومل كخصم يجب إسكاتُه،وترافق ذلك مع خطاب يبرر الإقصاء ويغيب العدالة والمساءلة،وكثير من المظلومين الجنوبيين في السجون انظلموا على النهج ذاته
ولو رويت قصصهم لما وسعتها الكتب ولما صمدت أمامها أقسى القلوب،فكان ذلك دليلا على انكشاف الصورة وسقوط الادعاء الأخلاقي،وتناقض المسار، وظهر ذلك جليا في الجمع بين الشعارات والممارسة،يرفع راية الشراكة بينما يُحتكر القرار ويُقصى المعارض،ويتحدث عن التمثيل ثم يُصادر باسم الأحقية والتفويض المزيف، وينادي بمحاربة الفساد ثم يُوفَّر الغطاء الفاسد لمخالفيه، فيغدو القرب معيارا لا الكفاءة والولاء بديلا عن الأمانة،وتُقدَّم المصلحة الضيقة على مصلحة المجتمع والاستقرار
وفي الإعلام استُخدمت المنصات للتعبئة الأحادية لا للنقاش العام فغُيّبت الوقائع غير الملائمة وبررت التجاوزات وصُنعت خصومات دائمة لإدامة الاستقطاب والتخويف،ومع تغييب المؤسسات الحقيقية اختلط الأمن بالسياسة وتقلصت المساءلة وتراجعت الاستقلالية أمام الحسابات والتحالفات المتبدلة
وفي القرار العسكري طغت الحسابات السياسية على مقتضيات المصلحة العامة فاستُخدم السلاح لتثبيت النفوذ لا لحماية المجتمع وتحولت الجبهات إلى أوراق ضغط ومساومة وغابت العقيدة المهنية لصالح الولاءات والمصالح، ودُفعت التضحيات دون رؤية واضحة أو محاسبة
وفي إدارة الاقتصاد والمعيشة قُدّمت السيطرة على الموارد على تحسين حياة الناس فتعطلت الأولويات من رواتب وتراجعت الخدمات واستُخدمت الإيرادات كوسيلة نفوذ لا كأمانة عامة وتراكمت الأعباء على المواطن بلا حماية أو إنصاف وغابت السياسات الرشيدة لصالح حلول مؤقتة
واخيرا اقول بأنه لم يكن الهوان نتيجة قوة الخصوم فلقد قارع الشعب الجنوبي اعتى واقوى الجيوش بل أصل الهوان كان بسبب الفساد الممنهج الداخلي للمجلس الانتقالي الجنوبي، فالمشاريع تُهزم حين تخون قيمها قبل أن تُهزم في الميدان وحين تُقدَّم المصلحة الذاتية على الحق العام، وحين يبدأ الظلم ينتهي السلام، فيتآكل المعنى وتنهار الثقة ويتبدد الالتفاف الشعبي بلا إعلان وعندها تتحقق الاهانة من اوسع ابوابها ومن يهن الله فما له من مكرم.
*اكرم القعيطي*
*11/ يناير/ 2026م*




