حين يُذبح الحلفاء على موائد الوصاية: عيدروس الزبيدي بين الخيانة المعلّبة والقضية المُختطَفة!
شاهدتُ عصر اليوم، وأنا مقيلٌ في صنعاء، قناتي العربية والحدث تتداولان صورًا مختلفة لعيدروس بن قاسم الزبيدي، رئيس ما يُسمّى بالمجلس الانتقالي الجنوبي، تترافق مع عواجل صاخبة تتحدث عن إقالته، وإسقاط عضويته من مجلس القيادة الرئاسي، وإحالته من قبل رشاد العليمي إلى النائب العام للتحقيق، بتهمة الخيانة العظمى، وأنه أساء إلى ما سُمّيت بـ«القضية الجنوبية العادلة».
للوهلة الأولى، ورغم الهوة السياسية التي تفصلني عن مشروعه، شعرتُ بغصةٍ حقيقية. وفي غمرة تتابع الأخبار العاجلة، مرّت أمامنا على الشاشة لقطات أرشيفية للواء عيدروس وهو في ساحات المعارك ببزته العسكرية (الميري). كنتُ حينها وسط أولادي الثلاثة الكبار، وجمعٍ كريم من رفاقنا من قبيلة "همدان". فجأة، ساد الصمت، وشعرنا جميعاً بثقلٍ في الصدور، وحزنٍ عميق على مآل هذا الفارس اليماني الحميري الضالعي.
التفت إليّ أولادي بعيون يملؤها تساؤل بريء وعميق:
"أوذا بنغثى ونحزن وتوجعنا قلوبنا على ما بيجري في عدن وعلى عيدروس؟".
فجاءهم ردي التلقائي، ذلك الرد الذي يسبق التفكير لأنه ينبع من الدم: "يا أبنائي، هذا لأننا جسد واحد.. هي كلها بلادنا ووطننا. نحن نحزن ونغثى لما يصيبهم هناك، وهم يكتوون بنار ما يصيبنا هنا في صنعاء. الوجع واحد، والمصير واحد".
نحن شعب واحد، وجسد واحد، ينبض بقلب واحد.
وكما قال فنان اليمن الكبير ايوب طارش ،والله لو ينصبوا شمسان، مابيننا او جبل سامع ، مايقدروا يحرموا ولهان محبوبٍ قلبه من الضالع.
محال أن يفصلوا بين جسدين بروحٍ واحدة، أو بين روحين في جسدٍ واحد.
الشمال والجنوب: جسدان بروح، وروحان في جسد… فأين سيأخذوننا؟ وأين سيضعوننا؟
نعم، اختلفوا أو اتفقوا مع عيدروس الزبيدي ،الا انه امتلك فضيلة "الوضوح" وصدق القضية. لكنه اليوم يدفع ثمن هذا الصدق حين اصطدم بمصالح "الإخوة الأعداء" -السعودية والإمارات- الذين حولوه كبش فداء على مائدة تقاسم النفوذ.
أرادوا له دوراً مرسوماً، وحين تجاوز الخطوط الحمراء طامحاً لجنوب موحد، غدروا به، واتهموه بخيانة القضية التي هو أصدق من حمل لواءها!
أوجعني ما جرى. أوجعني الغدر به، والتضحية به ككبش فداء على طاولة تقاسم الكعكة ..
بين ليلة وضحاها، يتحوّل الرجل إلى «مجرم»، و«خائن خيانة عظمى»، في مشهد فجّ من العبث بالقضايا المصيرية:
للأمانة، قد تختلف مع عيدروس الزبيدي أو تتفق معه، لكنك لا تستطيع إنكار أنه فارس، وقائد شجاع، صريح، واضح، وصاحب قضية ،حتى وان اختلفنا معها ومعه ،فقد عبّر عنها بلا مواربة، ومثّلها كما يراها هو.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
ما هي القضية الجنوبية؟
أليست – كما يعلن هو صراحة – مشروع انفصال واستقلال الجنوب عن الشمال؟
والعودة الى ماقبل العام ١٩٩٠م
فلماذا تحوّل، فجأة، إلى «خطر داهم» و«خائن خيانة عظمى»؟
وما هي «القضية الجنوبية العادلة» التي قال مجلس العليمي اليوم إنه أساء إليها؟
الرجل، منذ اللحظة الأولى، كان صادقًا وواضحًا. رفض القسم على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وقالها بلا تورية:
قضيتي استقلال الجنوب، والعودة إلى ما قبل عام 1990م، واستعادة الدولة.
ولأنه شجاع وصريح، رفض الخطوط الحمراء السعودية، وأصرّ على توحيد المحافظات الجنوبية والشرقية بالقوة، كما كانت قبل 1990م.
رفض الدور المرسوم له: الاكتفاء بحكم عدن ومثلث الدوم، والتخلي عن حضرموت والمهرة، وتركهما لأطماع السعودية في منفذ على بحر العرب.
وهنا بدأ القصاص.
سُحقت قواته، وقُصفت بالطيران السعودي.
ومن دفعه إلى هذه المواجهة، ثم تخلّى عنه، وعقد الصفقات من خلف ظهره؟
إنها الإمارات، بلا رتوش.
أما تخوينه، بزعم أنه خان «القضية الجنوبية العادلة!»، بحسب بيانات الرياض ومجلس العليمي، فذلك هراء سياسي، وطرح ممجوج، لا يثير إلا السخرية.
فإذا كنتم ضد الوحدة اليمنية ضد يمن موحد كبير و مصرّين على العبث بمسمّى «قضية جنوبية»
واتهمتم عيدروس بالخيانة العظمى وفي نفس اللحظة ،نظمتموا لقاء لمجلس انتقالي جنوبي لنوابه مجلس كان يرأسه ،والان صار مجلس انتقالي جديد تبع الرياض ،برئاسة المحرمي وبن بريك !
واما إلباس مايسمى "القضية الجنوبية" ثوب «العدالة»، فالرجل – مهما اختلفنا معه – كان أصدق من مثّلها، بلا تزويق، ولا توظيف لأدوات جنوبية تُحرّك عند الطلب، لخدمة الكفيل السعودي.
وأقولها بوضوح:
لستُ مع الزبيدي، ولا مع مشروعه الانفصالي.
أنا مع يمنٍ موحّد، اليمن الكبير، تحكمه دولة جمهورية وطنية قوية ومستقلة، تكفل المواطنة المتساوية لكل يمني، بعيدًا عن مشاريع التقسيم والتمزيق، والمحاصصة، والتمثيل الزائف، والمجالس المصطنعة.
أنا مع يمنٍ موحّد، متحرر من وصاية الجارة الكبرى، ومن كل العابثين الإقليميين والدوليين،
يمنٍ لا تُدار قضاياه بالريموت كنترول، ولا تُذبح قياداته على موائد المصالح.




