بين أبوظبي والرياض: مخاطر الرهان الأحادي في حسابات المجلس الانتقالي



في خضم تعقيدات المشهد السياسي في الجنوب، يبرز توجه المجلس الانتقالي الجنوبي نحو التحالف شبه الكلي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مقابل فتورٍ ملحوظ في العلاقة مع المملكة العربية السعودية، كأحد أكثر الخيارات إثارة للجدل. هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية التحالفات الآنية، بل يجب تفكيكه في سياق التوازنات الإقليمية، وحسابات المصالح طويلة الأمد، ومخاطر الارتهان لطرف واحد.

منذ انطلاق “عاصفة الحزم”، شكّلت السعودية اللاعب الإقليمي الأبرز في الملف اليمني، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً. وقد حافظت الرياض، رغم اختلافاتها مع أطراف محلية عدة، على موقع “المرجعية الجامعة” القادرة على مخاطبة المجتمع الدولي، ورعاية التسويات، وضبط إيقاع الصراع. في المقابل، اتسم الدور الإماراتي بتركيز أكبر على الملفات الأمنية والعسكرية، وبناء نفوذ مباشر عبر قوى محلية محددة.

التحول الكلي للانتقالي باتجاه أبوظبي، دون الحفاظ على توازن فعّال مع الرياض، يمثل خطأً سياسياً من عدة زوايا. أولها أن هذا التوجه يضع المجلس في خانة “الطرف المنحاز” لا “الشريك المناور”، ما يحد من قدرته على التحرك السياسي، ويضعف أوراقه التفاوضية في أي تسوية قادمة. فالسعودية، بحكم ثقلها الإقليمي والدولي، تظل بوابة أساسية لأي اعتراف أو ترتيب سياسي مستقبلي.

ثانيها، أن الارتهان لطرف إقليمي واحد يجعل القرار السياسي عرضة للتقلبات. فالمصالح الدولية لا تُدار بالعاطفة أو الثبات، بل بالحسابات المتغيرة. وأي تغير في أولويات الداعم الخارجي قد يترك الحليف المحلي مكشوفاً، بلا بدائل أو شبكات أمان سياسية.

أما الزاوية الثالثة، فهي البعد الشعبي. فجزء واسع من الشارع الجنوبي لا ينظر إلى العلاقة مع السعودية باعتبارها علاقة خصومة، بل كعلاقة مركبة يمكن إدارتها بما يخدم المصالح الجنوبية. تجاهل هذا البعد يفتح فجوة بين القيادة والقاعدة، ويمنح الخصوم مادة سهلة للتشكيك في استقلالية القرار.

لا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية العلاقة مع الإمارات، ولا إنكار ما قدمته من دعم في مراحل معينة، لكنه دعوة لإعادة ضبط البوصلة. السياسة، في جوهرها، فن إدارة التوازن لا كسر الجسور. والنجاح الحقيقي لأي كيان سياسي يكمن في قدرته على تنويع علاقاته، لا استبدال تبعية بأخرى.

في المحصلة، إن خطأ التحويل الكلي نحو الإمارات وترك السعودية ليس خطأً تكتيكياً عابراً، بل خيار استراتيجي محفوف بالمخاطر. تصحيحه لا يتطلب قطيعة مع هذا الطرف أو ذاك، بل يتطلب قراءة أعمق للمشهد، وعودة إلى منطق المصالح المتوازنة، قبل أن تفرض التحولات الإقليمية أثماناً يصعب دفعها