الجنوب أولًا: شهادة صادقة من معارض سابق للانتقالي ونصيحه للانتقالي ولمن لا يزال معارضا له



هل تصدّق يا من تهاجم الانتقالي حاليًا أنك لا تعرف شيئًا عن الجنوب؟ وهل تدرك أن كثيرًا ممن تراهم اليوم في صف الانتقالي وكانوا بالأمس من أشد معارضيه؟ هل تعرف أننا كنا نعتبر عيدروس الزبيدي مرتزقًا؛ لأنه كان يتعامل مع الاحتلال اليمني بطيبة ولفّ ودوران، ودخل مع الشرعية اليمنية بعد أن كان يُخوّن من كانوا مع الشرعية اليمنية كعبدربه منصور وأتباعه؟ هذه ليست تهمة عابرة، بل كانت قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من الجنوبيين، وأنا واحد منهم، ممن كانوا يرون في هذا النهج نوعًا من المساومة غير المقبولة مع احتلال لفظ أنفاس الجنوب لعقود.

لا تزال لا تعرف أنه كانت هناك معارضة حقيقية لعيدروس الزبيدي في الجنوب، معارضة لو تمكّنت يومًا من الحكم لقال الشماليون بعدها رحمة الله على الزبيدي، لماذا؟ لأننا كنا نرى أن أي تساهل مع الاحتلال اليمني خيانة صريحة لتضحيات الجنوبيين ودماءهم. 

بالنسبة لي ولكثير من الجنوبيين الذين وقفوا ضد عيدروس الزبيدي في بداياته، لم يكن الخلاف شخصيًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا، نابعًا من شكوك عميقة في طريقته في التعاطي مع الاحتلال اليمني وبقاياه داخل ما يسمى بالشرعية ثم ادخال بقايا الاحزاب اليمنيه ضمن مكون الانتقالي كالمؤتمر والاصلاح والاشتراكي.

ولو كنا نحن البديل في تلك المرحلة، لكنا سخطنا على سابع جدّ الاحتلال اليمني على كل الأراضي الجنوبية، ولكان طردهم من كل شوارع الجنوب أمرًا حتميًا، بالرضا أو بالصميل، دون مواربة أو حسابات رمادية. لكن السياسة ليست دائمًا كما يتصورها الشارع، والمرحلة كانت مليئة بالتعقيدات والتوازنات، وهو ما لم يكن واضحًا لكثير من الناس حينها.

لذلك، أولما انطلق الانتقالي إلى حضرموت والمهرة، تحصّل على تأييد جنوبي واسع حتى من معارضيه السابقين، لأن تطهير حضرموت والمهرة من قوات علي محسن الأحمر والشرعية الفاسدة ونظام 7/7 كان المطلب الجنوبي الأول بعد تحرير عدن ولحج وأبين وشبوة. وهنا بدأ التحوّل الحقيقي في المزاج الجنوبي، لأن البوصلة عادت إلى اتجاهها الصحيح، بعيدًا عن الصراعات الجنوبية الجانبية التي استنزفت الجنوب وأضعفت قضيته.

وكان معارضو الانتقالي يعتبرون المماحكات الداخلية والمواجهات الأهلية في عدن بين الجنوبيين عملًا لا يخدم الجنوب، بل يزيد الشقاق والتفتت والتشتيت الجنوبي،وينقل المعركه من شماليه جنوبيه الى جنوبيه حنوبيه لأن كل المتحاربين جنوبيون، سواء كانوا انتقاليين أو محسوبين على الشرعية. وهؤلاء المعارضون كانوا على حق، لأن حضرموت والمهرة تمثلان مفتاح الدولة الجنوبية المنشودة، وهما أساس قيامها، وبدونهما لا معنى لإعلان دولة جنوبية ناقصة السيادة.

والفارق الجوهري أن من كان في حضرموت والمهرة قوات شمالية غازية، باستثناء شخصيات جنوبية متشمئله معروفة كـ بن حبريش، بينما كانت مواجهات عدن مؤلمة لأنها صراعات جنوبية–جنوبية من الجندي إلى القائد وحتى من مات بالشرعيه مثل عبدربه منصور مكن للحنوبيين واعطاهم مناصب كبيره ومحافظين ع كل المحافظات الجنوبيه، وهذا هو ما شكّل نزيفًا داخليًا كاد يعصف بالحلم الجنوبي برمّته.

والحمد لله أن القيادة في الانتقالي استوعبت الدرس، وعدّلت المسار، وصحّحت النهج، وأنهت سياسة الضرب للأرجل في عدن ولحج وأبين، ثم اتجهت بثقلها السياسي والعسكري إلى حضرموت والمهرة لإخراج القوات الشمالية الغازية والناهبة لثروات الجنوب. ونتيجة لذلك، تراجع الانقسام الجنوبي بشكل لافت، وأصبح الجنوبيون اليوم أقرب ما يكونون إلى حالة إجماع نادرة في مواجهة الشماليين بكل أطيافهم وأدواتهم.

ومع هذا التحول، بات من الضروري التأكيد مجددا أن دعم الانتقالي لا يعني تقديسه او تقديس شخصياته كما يعمل البعض بدون وعي ولا اعتباره فوق النقد فالجنوب اولاً. والمراجعة الصادقة والنقد المسؤول ليسا عداءً، بل ضمانة لبقاء أي كيان سياسي على الطريق الصحيح. فالانتقالي القوي هو الذي يسمع، ويصحح، ويتعلم من أخطائه، لا الذي يغلق أذنيه ويخسر قاعدته الشعبية مع الوقت.

حقيقةً لا أدري لماذا حصل ذلك الاختلاف في عدن والمواجهات السابقة! هل لأن الوقت لم يكن مساعدًا للحصول على الثقة الكاملة من الشعب الجنوبي في تلك المرحلة؟ أم أن بعض الانتهاكات والتدخلات الخارجيه وغياب الشفافية أثّرا على التوافق الاجتماعي؟ أم أن شيطنة بعض الفصائل الجنوبية طوال ثلاثين عامًا تركت أثرًا نفسيًا وسياسيًا حتى على بعض الجنوبيين أنفسهم؟ أم أن القدر أراد أن يمنح الشماليين أملًا كاذبًا ليظنوا أن الجنوبيين كلهم ضد الانتقالي؟

لكن المؤكد أن القضية الجنوبية أكبر من أي كيان سياسي، والانتقالي، مهما كان حجمه، يبقى وسيلة لا غاية. فالقضية قضية شعب وهوية وعلم وتاريخ ونضال طويل، ومن يدرك هذه الحقيقة ينجح في احتواء الجميع بدل الإقصاء، ويكسب خصوم الأمس بدل أن يصنع أعداء جدداً.

وحين انطلق الانتقالي الجنوبي إلى حضرموت والمهرة، تحصّل على تأييد شعبي جنوبي وعربي واسع في الداخل والخارج، أربك الشماليين ومن يقف خلفهم، وقلَب موازين القوى داخل الجنوب، ومنح الانتقالي تفويضًا شعبيًا جديدًا هذه المرة، لا لبس فيه ولا غموض. ونزل الجنوبيون إلى الساحات مطالبين بإعلان الدولة الجنوبية، وتفاعل الخارج مع هذه الخطوات بشكل غير مسبوق.

غير أن الشرعية الحقيقية لا تُبنى بالخطاب وحده، بل تبدأ من حياة المواطن اليومية. الدولة الجنوبية التي نحلم بها لن تقوم إذا لم يشعر المواطن أن كرامته مصانة، وخدماته متوفرة، والفساد يُحارب بصدق، لا بالشعارات فقط. فالتأييد الشعبي لا يُشترى، بل يُكتسب بالعدل والعمل والإنصاف.

كما أن المصالحة الجنوبية الشاملة وميثاق الشرف الجنوبي لم يعودا ترفًا او شيئا هامشيا، بل ضرورة تاريخية جنوبيه. لا يمكن بناء دولة على ذاكرة مثقلة بالثأر والخصومات. المطلوب طيّ صفحة الصراعات الداخلية بجرأة، وردّ الاعتبار لكل من ظُلم، وصياغة ميثاق شرف جنوبي يمنع تكرار المأساة، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة لا الإقصاء.

وفي موازاة ذلك، لا تقل المعركة السياسية والإعلامية أهمية عن المعركة على الأرض. العالم لا يسمع إلا من يتحدث بلغة المصالح والاستقرار. تقديم القضية الجنوبية كعامل توازن إقليمي، وضامن لأمن الملاحة، ومحارب حقيقي للإرهاب، سيمنحها حضورًا دوليًا أقوى من أي خطاب عاطفي مهما كان صدقه.

فلذلك نرجو أن ينتهز الانتقالي هذه الفرصة الذهبية، وأن يعمل بصدق للوطن وكرامة المواطن الجنوبي، بعيدًا عن العنصرية والمحسوبية، وأن يراجع أخطاءه، ويتوسع في استقطاب كل الجنوبيين خاصة الذين يعملون بصدق وبجهود شخصيه، وألا ينغلق على نفسه،ويغدق على اتباعه في حين انهم لم يقوموا بكل واجباتهم بالشكل المطلوب الفاعل. 

فالاعلام الجنوبي الرسمي لا زال ضعيفا نوعا ما ويقوم بعقلية قديمه نوعا ما.. وإن كان الانتقالي يؤمن حقًا بأنه يمثل الجنوب. فالحاضنة الشعبيه وخاثة الفاعله منها على كل الاصعدة هي أساس الدفاع عن الجنوب، حين تلتقي مع مشروع سياسي واعٍ، تصنع دولة لا تُكسر.

نرجو السلامة للجنوب في كل المراحل، ولا أجمل من توحيد الكلمة ورصّ الصفوف. القادم لا يعلمه إلا الله، لكن لا خوف من اي تهديدات قادمه ما دمنا على قلبٍ ورب سنتصدى لها جميعا. هذا وسلامتكم.