الوزير الذي تمسّك باليمن… وحكومة أدّت اليمين خارجه



اليمين الدستورية ليست إجراءً بروتوكوليًا، بل فعلًا سياديًا يعكس حضور الدولة على أرضها. ولهذا بدا المشهد غريبًا وغير مسبوق: حكومة كاملة تؤدي اليمين في دولة أخرى، بينما يفترض – وفق خطابها – أن لديها محافظات آمنة، وقصورًا رئاسية، ومقارًّا حكومية جاهزة.

الاستثناء الوحيد كان وزير التعليم العالي الدكتور أمين نعمان القدسي، الذي تمسّك بأداء اليمين داخل اليمن احترامًا للدستور ورمزية الدولة. والمفارقة أن هذا الموقف الطبيعي تحوّل إلى “إشكالية”، واضطر الوزير إلى إصدار بيان يوضح فيه سبب عدم حضوره إلى الرياض، في سابقة تعكس حجم الالتباس الذي وصل إليه المشهد؛ إذ أصبح التمسك بالدستور بحاجة إلى تبرير، بينما مخالفة الدستور تمرّ بلا مساءلة.

المشهد يعكس انقلابًا كاملًا في المعايير. فبدل أن يُسأل الوزراء: لماذا لم تؤدوا اليمين في عدن أو سيئون أو مأرب؟ أصبح السؤال: لماذا يريد الوزير القدسي أداء اليمين في اليمن؟ هذا التحول ليس مجرد سوء فهم، بل مؤشر على أن الوعي العام يتعرض لإعادة تشكيل، بحيث يصبح الاستثناء قاعدة، والقاعدة استثناء، وتصبح السيادة تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه دون نقاش.

لطالما بررت الحكومات السابقة غيابها عن الداخل بوجود “قوى ومكونات” تمنع عودتها، وتسيطر على المعسكرات والمقار السيادية. لكن الواقع اليوم تغيّر جذريًا: القوى التي كانت تُتهم بأنها تمنع الحكومة غادرت البلاد، المعسكرات سُلّمت رسميًا، وقوات درع الوطن تسلّمت مواقعها وأمّنت المعاشيق وبقية المحافظات.

ومع سقوط الذرائع، يصبح استمرار الحكومة خارج البلاد أمرًا يثير تساؤلات جدية حول طبيعة القرار السياسي، وكيف يمكن أن تستعيد الدولة حضورها بينما تعمل سلطاتها من خارج حدودها. فما الذي يمنع الحكومة الآن من العودة؟ وأي عذر يمكن أن يُقدَّم بعد أن زالت كل الذرائع التي رُفعت لسنوات؟

لا يمكن لدولة أن تستعيد حضورها وهي تتخلى عن أبسط رموزها. ولا يمكن لحكومة أن تطلب من المواطنين الالتفاف حولها بينما هي نفسها لا تستطيع الوقوف على أرضهم لأداء اليمين. ولا يمكن الحديث عن “تحرير 80% من البلاد” بينما الحكومة لا تجد مكانًا واحدًا داخل هذا الـ80% لتؤدي فيه القسم.

إصرار الوزير على أداء اليمين داخل اليمن لم يكن تحديًا لأحد، بل احترامًا للدستور، ولرمزية الدولة، وللجهود التي قيل إنها بُذلت لتمكين الحكومة من العمل من الداخل. كان موقفًا وطنيًا ناضجًا، وكان يفترض أن يُقدَّر لا أن يُهاجَم. لكن الهجوم عليه يكشف أن المشكلة ليست في الوزير، بل في منظومة سياسية اعتادت قلب الحقائق، وتطبيع الاستثناء، وتبرير ما لا يمكن تبريره.

ما حدث ليس مجرد خطأ بروتوكولي، بل مؤشر على مسار خطير: مسار تتآكل فيه السيادة خطوة بعد خطوة، ويتعوّد فيه الناس على ما لا ينبغي الاعتياد عليه، وتصبح فيه الدولة مجرد اسم، بينما القرار والممارسة خارج الحدود.

اليمنيون تعبوا من هذه التصرفات، من الحكومات التي لا تعيش بينهم، ومن المسؤولين الذين لا يلمسون واقع الناس ولا يواجهون تحدياتهم اليومية. وما يحتاجه اليمنيون اليوم ليس حكومة تُدار من الخارج، بل دولة تستعيد مكانها الطبيعي فوق أرضها، وتعيد الاعتبار لرموزها الدستورية قبل أي شيء آخر. فاليمين الدستورية ليست مجرد طقس، بل إعلان عن مكان وجود الدولة. وإذا لم تُؤدَّ على أرض الوطن، فكيف يمكن إقناع الناس بأن الدولة ما زالت قائمة فوق هذه الأرض؟ #أنور حميد باعوضه