الصراع السعودي الاماراتي في اليمن الاسطورة التي تخفي عجز الداخل...

لا يزال جزء واسع من الخطاب اليمني المتصارع يصر على تفسير كل ازمة وكل فشل وكل انهيار داخل البلاد بوجود صراع سعودي اماراتي وكأن تعقيدات اليمن الممتدة منذ ستة عقود يمكن اختزالها في خلاف بين دولتين تعملان في الاصل على اعادة صياغة مستقبل بلديهما لا على التنافس في ساحة منهكة. وهذا الخطاب المريح نفسيا للكثيرين لا يعكس حقيقة المشهد بقدر ما يعكس حالة انكار سياسي وفكري يعيشها الداخل اليمني الذي يجد في هذا التفسير السطحي وسيلة سهلة للهروب من مواجهة جذور ازمته التاريخية الممتدة منذ ما قبل 1962 وحتى اليوم.

فالازمة اليمنية ليست وليدة السنوات الاخيرة بل هي حصيلة طبقات متراكمة من الصراع الداخلي. قبل ثورتي سبتمبر واكتوبر كان اليمن يعيش مركزية خانقة وصراعا بين الهامش والمركز ومظلومية مناطقية ومذهبية تركت اثرا عميقا في الوعي السياسي. وعقب 1967 في الجنوب انفجرت الصراعات بين الفصائل التي ورثت السلطة بعد الاستقلال فلم تكن الدولة الناشئة دولة متماسكة بل كيانا متعدد المشاريع لا يجمعه مشروع وطني واحد. وفي الشمال اشتعلت حروب المناطق الوسطى خلال السبعينيات والثمانينيات وهي من اعنف الحروب واكثرها تركا للجروح في الذاكرة اليمنية ولم تفتح يوما كملف سياسي جاد يمكن عبره فهم اسبابها او معالجة اثارها.

ثم جاءت وحدة 1990 التي بدت خطوة تاريخية لكنها تشكلت فوق خلافات عميقة لم تحرر اصلا فكان طبيعيا ان تتحول الى صدام سياسي انتهى بحرب 1994 الحرب التي لم تنه الخلاف بل عمقته حين تجاهل المنتصر معالجة ملفات الجنوب فظلت المظالم تتراكم حتى انفجرت لاحقا في صور متعددة. وفي المقابل فجرت حروب صعدة الست منظومة كاملة من التوازنات الاجتماعية والسياسية وكشفت انهيارا بنيويا كانت تخفيه الدولة لعقود لتترافق هذه الانهيارات مع الضربة الكبرى التي تلقتها المنظومة الزيدية التقليدية بعد 2011 حين انقسمت القوى وتشظى الجيش وتهاوت بنية السلطة كليا.

وفي الغرب ظلت تهامة والبحر الاحمر تحت الإقصاء السياسي رغم اهميتهما الاستراتيجية ما جعل قضاياهما تتراكم دون اي معالجة. وهذه الملفات كلها من ارث الامامة الى صراعات الجنوب بعد 1967 الى حروب المناطق الوسطى الى قضايا الوحدة والانفصال الى حروب صعدة الى تفكك القوى التقليدية بعد 2011 الى قضية تهامة ليست من صناعة السعودية ولا الامارات. انها ملفات يمنية داخلية صافية تجاهلتها النخب لعقود ثم اختارت الهروب منها بالقاء اللوم على الخارج لانها لا تملك الجرأة لفتحها ولا القدرة على تحمل تبعاتها.

ومع كل هذه الفوضى يتعامل الداخل اليمني بالعاطفة والانفعال فتتشكل التحالفات باللحظة وتهدم باللحظة وتدار السياسة بمنطق من مع من لا بمنطق ماذا نريد للدولة. ولهذا يسهل على القوى المحلية ان تبرر فشلها عبر رواية الصراع السعودي الاماراتي لانها توفر لها مخرجا نفسيا وسياسيا من مواجهة مسؤوليتها الحقيقية عن الواقع.

في المقابل العلاقة بين السعودية والامارات علاقة مختلفة تماما عما يصوره الخطاب اليمني. فهي ليست علاقة متقلبة ولا تحالفا مؤقتا بل احد اكثر التحالفات العربية ثباتا ورسوخا في هذا العصر. يجمع الدولتين مشروع استراتيجي يقوم على التحول الاقتصادي الداخلي وعلى فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة وعلى ادراك ان الاستقرار العربي يحتاج الى شراكات كبرى لا الى تنافسات صغيرة. ما يجمع الرياض وابوظبي اكبر بكثير من ان تهزه تباينات داخل اي ملف فالعلاقة قائمة على مصالح مشتركة ورؤية امنية واقتصادية متقاربة وارادة سياسية تدرك ان المنطقة تحتاج الى استقرار لا الى صراعات جديدة.

وما يظهر من اختلافات داخل الملف اليمني ليس صراعا في جوهره بل تباينا طبيعيا بين دولتين لكل منهما زاويتها الاستراتيجية الخاصة بينما يظل الاطار العام للعلاقة بينهما ثابتا لان ما يجمعهما هو مشروع تنموي عميق الجذور وليس صراع نفوذ على الخراب. في حين تدار السياسة اليمنية بالعاطفة والمراهقة السياسية تدار السياسة في الرياض وابوظبي بعقلية الدولة وبمشاريع اقتصادية وتنموية عملاقة.

ومع تعقد المشهد اليمني تجد دول الرباعية نفسها امام ملف مكتظ بالجذور التاريخية والمؤسسات المنهارة والصراعات الموروثة. فهي تتعامل مع ارث الامامة وصراعات الجنوب وحروب المناطق الوسطى ومظالم الجنوب بعد 1994 وحروب صعدة وتفكك المنظومة الزيدية وقضية تهامة والشتات السياسي والهوية الممزقة والتنافس المناطقي بينما القوى اليمنية نفسها لا تريد الاعتراف بهذه التراكمات ولا تريد العودة الى جذورها رغم ان تجاهلها هو ما اوصل اليمن الى هذا المأزق.

لهذا فان الاعتراف بالتاريخ هو البداية الحقيقية لاي حل. الاعتراف ليس ادانة بل خطوة اولى نحو بناء رؤية وطنية جديدة. اما الاستمرار في تصدير الازمة وادعاء انها خلاف سعودي اماراتي فهو استمرار للعقلية التي صنعت كل هذا الخراب عبر ستة عقود. فالصراع الحقيقي في اليمن ليس خارجيا بل داخلي نتاج مشاريع صغيرة تسلطية ورؤى متضاربة وعقلية سياسية تدار بالعاطفة لا بالمصلحة الوطنية.

ولن يخرج اليمن من دوامة الانهيار الا عندما يعترف الداخل بان مشكلته فيه وان جذورها تمتد منذ ما قبل 1962 وحتى ما بعد 2011 وان الطريق الى الدولة يبدأ من مواجهة هذا التاريخ لا من الهروب منه. اما المستقبل فلن يبنيه الخارج ولا الصراع المصطنع بل قوى تمتلك الشجاعة لاتخاذ موقف صريح ان اليمن لن يقوم الا من الداخل وان الاعتراف بالحقيقة هو اول خطوة نحو الخلاص...