سقطرى.. الجزيرة النادرة...

سقطرى المصنفة كأحد مواقع التراث العالمي من قبل اليونسكو باعتبارها قيمة عالمية استثنائية.
وتمتاز الجزيرة بلغة وثقافة سكانها الفريدة، وهي لغة شفاهية غير مكتوبة ترجع أصولها إلى  لغة اليمنيون القدماء، ولطالما اكتنفت بالغموض لأنها شبه مجهولة، بينما تعتبر مصدراً هاماً لعلم اللغات اليوم، كما يجمع متخصصون على انها لغة مهددة بالانقراض.
وكانت البروفسيورة ميرندا موريس الباحثة في جامعة سانت أندروز في المملكة المتحدة، والحاصلة على الليسانس في العربية والدكتوراه في اللغات العربية الجنوبية الحديثة من جامعة لندن، حذرت أنه "إذا لم تطور اللغة السقطرية نظام كتابة، وما لم يواصل السكان التحدث بها الى اطفالهم، فهي بلا شك ستكون مهددة بالانقراض". وخلصت الى ان "اللغة السقطرية واحدة من مجموعة مكونة من ست لغات تُدعى اللغات العربية الجنوبية الحديثة واللغات الخمس الأخرى هي: المهرية، والبطحرية، والهيبوتية، والحرسوسية، والشحرية. وهي لغات سامية تتحدث بها أقليات سكانية في جنوب وشرق اليمن، وغرب عمان، والأطراف الجنوبية من المملكة العربية السعودية. وهذه اللغات تنتمي إلى فرع اللغات السامية الجنوبية في عائلة اللغات السامية، والتي تضم أيضاً اللغات السامية الاثيوبية، واللغات العربية الجنوبية القديمة. وتتفرع من اللغات السامية الوسطى التي تضم العربية الحالية واللغتين الآرامية والعبرية".
وبحسب المراجع التاريخية مثلت جزيرة سقطرى، منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد، أحد المراكز الهامة لإنتاج السلع المقدسة التي كانت تستخدم في طقوس العبادات كالبخور والمر واللبان، بينما ساد الاعتقاد أن الأرض التي تنتجها آنذاك أرض مباركة من الآلهة.

كذلك بإجماع العلماء تمثل سقطرى احد اهم حلقات مراحل  تطور الانسان الرئيسية على الأرض. والحال ان الجزيرة الفريدة ذات التنوع البيولوجي الآسر، تعتبر متحفاً للتاريخ الطبيعي، لأنها الموطن الوحيد لأندر ما احتوته الطبيعة في العالم ومن بينها بعض الأنواع المهددة والتي لا تتواجد في مكان آخر كالطيور والحشرات والزواحف، علاوة على انها الجزيرة الخلابة التي تنفرد بتنوع نباتي وحيواني وبيئي متفرد، ما جذب العالم إليها ككنز طبيعي لا يتكرر مرتين. فهي مثلاً تضم 39 محمية بكر، كما تحتضن أكبر تجمع للنباتات المستوطنة، ومن بين نحو 700 نوع نادر، هناك 300 صنف لا وجود لها في أي مكان آخر في العالم، واغلبها ذات خصائص طبية عالية.
وكان العديد من المؤرخين قد أشاروا إلى الجزيرة وخاصة المؤرخين الرومان والإغريق،  اضافة إلى مؤرخين وجغرافيين وبحارة العرب كالهمداني وابن بطوطة وابن ماجد. على ان عالم الآثار الروسي الكسندر سيدروف-مدير متحف الشعوب الحضارية في روسيا الذي زار سقطرى اكثر من مرة-اكد على انه تم العثور على موقع في الجزيرة يعود إلى العصور الحجرية أي إلى ما قبل مليون ونصف المليون سنة، مشيراً الى ان الانسان القديم سكنها .

وفي حين ان اكثر من مؤرخ أكد على وجود الديانة المسيحية النسطورية قديماً في الجزيرة، أفادت دراسات عديدة بأن ديانة سكان الجزيرة في المرحلة الوثنية كانت ديانة سكان حضرموت الذين كانوا يعبدون الإله سين "ذو عليم" في العالم القديم.
الشاهد ان الموروث الطبيعي والثقافي لسقطرى أثار فضول الكثير من العلماء  في العصر القديم والحديث، كما اعتبرت قمة الأرض المنعقدة في ريودي جانيرو عام 1992، جزيرة سقطرى ضمن تسع مناطق عالمية لا تزال بكراً ولم تصبها أية عمليات تشويه او استخدام جائر ومفرط بمكتنزاتها وأحيائها.
اليوم يقطن  الجزيرة نحو 80 ألف نسمة، وكأي مجتمع عريق فإن للمجتمع السقطري عادات وتقاليد وحرف وازياء وقوانين وادوات وطبابة شعبية ومأكولات ومعمار ذات نمط خاص وأصيل. فضىلاً عما تمثله اللغة السقطرية وشعرها وفنها الغنائي من "تجسيد للخبرات والهوية الثقافية الفريدة للأجيال التي عاشت على الجزيرة".
فمنذ القدم توالت على الجزيرة هجرات ونزوحات وغزوات من يونان وفرس وبرتغال وهنود وافارقة وانكليز، إلا أن ذلك لم يشكل في حد ذاته تبلور مجموعات سكانية مميزة ولها طابعها الخاص بها-كما هو واضح.

ثم ان العالم الاغريقي ( ثيوفراستوس) الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد وهو اول من حاول تصنيف النباتات، وصف جزر ارخبيل سقطرى باسم" جزائراللبان التابعه لأملاك جنوب بلاد العربية" مؤكداً التداخل بين اهالي سقطرى واهالي جنوب بلاد العربية.
واما ديودورس الصقلي الذي عاش في القرن الاول قبل الميلاد، فقد ذكر في موسوعته عن تاريخ العالم حول سكان الجزيرة: "ان السقطريين كانوا يبيعون اللبان الى العرب في جنوب بلاد العربية وهؤلاء ينقلونه صوب الشمال الى مصر وسوريا والى كل بقاع العالم المأهولة بالسكان".
وبشكل خاص تتمتع الجزيرة بأهمية استراتيجية، اذ لعب موقعها دورا تاريخيا هاما في حركتي الصراع على النفوذ والتجارة والملاحة بين الشرق والغرب، وبعد جلاء الاستعمار البريطاني العام 1967 بدأت التغيرات تطرأ على الكثير من اوجه حياة السقطريين الذين كانوا في حياة مغلقة، إلا ان مرحلة ما بعد الوحدة في  التسعينيات ونتيجة لإنشاء مطار وخدمات جوية منتظمة، واتصالات بحرية، ووصول تقنية الهاتف المحمول، انضمت سقطرى نوعاً ما إلى العالم الحديث. 

والواقع ان سقطرى مازالت تصنف كواحدة من أبرز مناطق الفقر في اليمن، كما تفتقر إلى التنمية المدروسة لسكانها والبنية التحتية اللائقة، رغم ان قرار تحويلها محافظة الذي صدر العام 2013 كان يتطلب من ابنائها المسؤولين وضع لوائح خاصة لإدارة بيئتهم، وإدارة من يأتون لزيارة الجزيرة كسائحين أو تجار أو لإجراء البحوث.  
.......
من مادة لموقع جريدة المدن اللبنانية المستقلة نشرت الثلاثاء 2015/11/03
كمادة خاصة بعنوان "هل تنجو سقطرى من الطوفان؟"
وذلك بعد ما أحدث تعرض الجزيرة لتأثيرات اعصار "تشابالا" ماخلف حزناً خاصاً لدى اليمنيين، وقلقا كبيراً من ان تتعرض الجزيرة لما يمكن ان يمثل خسارة ثقافية بامتياز. فلقد تضررت اجزاء واسعة من تلك الجزيرة النادرة.

* اعيد نشر المادة عن الجزيرة جراء الإقبال السياحي عليها خلال الشهر الفائت والحالي..