في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية

في مثل هذا اليوم الثالث عشر من أبريل (1975) اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، كان طرفاها الرئيسيان الحركة الوطنية (اليسار اللبناني) بزعامة كمال جنبلاط من جهة، واليمين اللبناني ذي الأغلبية المسيحية من جهة ثانية، وبما أن غالبية الفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية من قبل فقد شاركت بقوة في الحرب، وكانت أحد أبرز أسباب اندلاعها.

استمرت هذه الحرب قرابة 15 سنة، وكان لها آثار وتداعيات لم تقف عند حدود لبنان فقط، ولكنها تجاوزتها إلى المحيط الإقليمي والدولي، وكان لها أبرز الأثر على القضية الفلسطينية وفصائلها وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وشهدت الحرب الكثير من المآسي وارتكب فيها المجازر بحق المدنيين، وكان من أبشع ما شهدته الحرب مجارز مخيمات صبرا وشاتيلا.

وبقدر ما حملت وشهدت من مآسٍ وفجائع فقد كان فيها من المتناقضات والحوادث التي وقعت في مخالفة للمنطلق ما يثير الشك والريبة والحزن في وقت واحد، فمن يتصور أنه في خضم الحرب الدامية التي كان اليمين اللبناني يسعى من خلالها جاهداً لإخراج الفصائل الفلسطينية من لبنان، كان ثمة فصائل فلسطينية تقف في هذا الصف المناوئ للفصائل الفلسطينية، ومنها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل، ذلك أنها كانت إحدى الفصائل الفلسطينية المدعومة من النظام الحاكم في سوريا التي تدخلت قواتها في لبنان بعد شهور قليلة من اندلاع الحرب، بهدف حماية اليمين اللبناني، وجاءت الأوامر للفلسطينيين المتحالفين مع سوريا بمهاجمة مقار الفصائل الفلسطينية والسيطرة عليها، واشتعل الصراع الفلسطيني- الفلسطيني ضمن حرب لبنان.

بالإضافة إلى ذلك فإن الانقسام بين طرفي الحرب لم يقتصر على الفلسطينيين بل شمل المسيحيين أيضاً، فقد كان يوجد مسيحيون في صفوف اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية، رغم أن اليمين في لبنان كان يزعم تمثيل المسيحيين كافة، خاصة وأنه يقف في قيادة التيار اليميني حزب الكتائب بقيادة بيت الجميل، وهم من أبرز القيادات التي توارثت زعامة المسيحيين اللبنانيين.

الانشقاقات خلال الحرب وبسببها ضربت الجبهة الشعبية -القيادة العامة الموالية لسوريا، فقد أعلن عدد من قياداتها الانشقاق وتأسيس جبهة جديدة تحمل اسم (جبهة التحرير الفلسطينية)، وكان أبرز مؤسسيها طلعت يعقوب وأبو العباس.

بالنسبة للشيعة فلم يكن لهم أي دور أو أثر في المشهد السياسي قبل الحرب، ولكن في مراحل لاحقة بعد الحرب بدأوا يعلنون عن أنفسهم من خلال حركة اسمها (المحرومون) ثم تغير الاسم فيما بعد ليصبح حركة (أمل)، وهذا الفصيل الشيعي العلماني كان يحظى بدعم حافظ الأسد، وبعدها ظهر فصيل شيعي إسلامي تابع لولاية الفقيه في إيران وهو حزب الله، بزعامة حسن نصر الله، وكانت إيران أبرز داعميه، وبسبب الخلافات بين الفصيلين واختلاف الداعمين فقد نشبت بينهما جولات عدة من الصراع المسلح رغم كونهما ينتميان للمذهب نفسه.

حافظ الأسد ومواقفه كان يعتبر أحد ألغاز هذه الحرب، فهو محسوب ضمن حلفاء الاتحاد السوفيتي، لكنه كان يتحرك في الحرب وفقاً لما تقتضيه مصلحة خصوم السوفيت، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي وافقت له بالتدخل في لبنان لحماية حلفائها في اليمين اللبناني، وبحسب خبراء فإن السوفيت انزعجوا من هذا التدخل، ونظر إليه البعض باعتباره تقاطعا للمصالح السورية الأمريكية، وبنظر فلسطينيين فان هذا التقاطع جاء على حساب القضية الفلسطينية؛ مع ان الأسد كان يزعم معاداة إسرائيل لكنه قدم للصهاينة خدمات جليلة في الحرب على فصائل المقاومة الفلسطينية، بل إنه نجح في تأليب الفلسطينيين ضد بعضهم فقام بدعم حلفائه من قوات منظمة الصاعقة وجبهة أحمد جبريل لمحاربة الفصائل الفلسطينية الأخرى خدمة لإسرائيل وأمريكا واليمين اللبناني، ولأن تل أبيب كانت تدرك جيداً ما الذي سيفعله جيش الأسد فلم تعترض على دخول قواته إلى لبنان بل وفرت له الدعم والمساندة. وقد سهلت القوات السورية لحلفائها اللبنانيين ارتكاب العديد من المجازر بحق اللاجئين الفلسطينيين في بيروت الشرقية وتصفية المناطق من الوجود الفلسطيني كما حدث في عين الزعتر وجسر باشا والنبعة، مثلما سهلت القوات الإسرائيلية لقوى اليمين ارتكاب مجازر بشعة في صبرا وشاتيلا. وتعرضت الحركة الوطنية لضربة موجعة باغتيال زعيم الحركة كمال جنبلاط في العام 1977.

وخلال هذه الحرب تعرضت لبنان للغزو والاجتياح الإسرائيلي مرتين، كانت الأولى في العام 1978 في أعقاب عملية فدائية عرفت باسم (عملية كمال عدوان)، وقادتها الشهيدة دلال مغربي، والاجتياح الثاني كان في العام 1982، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، ومن هناك بدأت الضغط من أجل إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت.

وخلال سنوات الحرب تم إجبار الفصائل الفلسطينية على مغادرة لبنان إلى عدد من الدول العربية، نتيجة للضغوط الإسرائيلية بعد اجتياحها بيروت الشرقية ومحاصرة بيروت الغربية، ما أدى إلى إبعاد المقاومة عن خطوط المواجهة المباشرة مع العدو الإسرائيلي بعدما ما كانت المقاومة قد خسرت الأردن عقب المواجهات الدامية مع القوات الأردنية فيما عرف بـ"أيلول الأسود" في العامين 1970 و 1971.

وقد هيأت نتائج الحرب لواقع سياسي جديد في لبنان جسده اتفاق الطائف، أو "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني"، الذي وقعته الأطراف المتصارعة بوساطة سورية - سعودية في سبتمبر/أيلول 1989 في مدينة الطائف السعودية، وتم إقراره في لبنان بقانون، أواخر شهر أكتوبر/تشرين أول من العام نفسه.