عقلية الخراب… لماذا يفشل اليمن مهما تغيّرت الحكومات؟
المحاصصة، تدوير الوجوه، ومؤتمرات بلا رؤية… وصفة جاهزة لإعادة إنتاج الفشل
في اللحظة التي ينتظر فيها اليمنيون إعلان حكومة جديدة، يتكرّر المشهد ذاته الذي لازم البلاد لعقود طويلة:
صراع محموم على الحقائب الوزارية، تنافس مناطقي وحزبي، شدّ وجذب لا علاقة له بخدمة الناس، بل بالمقعد ومن يجلس عليه.
لا أحد يناقش البرامج، ولا أحد يسأل عن الكفاءة، فالمعادلة واضحة: المقعد أولًا… وخدمة الناس آخر الاهتمامات.
وفي موازاة هذا العبث، يُقدَّم مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض كفرصة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي.
لكن المؤتمر يفتقر منذ البداية إلى البيئة التي تضمن نجاحه: لا رؤية واضحة، ولا آليات شفافة، ولا ضمانات لتمثيل عادل، ولا مناخ يسمح بحوار وطني صادق.
وما يزيد الصورة تعقيدًا أن مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض يسير بالأسلوب ذاته:
إقصاء هنا، انتقاء هناك، وسباق محموم حول من يحضر ومن يُستبعد، وكأن الحوار ملكية خاصة لا استحقاق وطني.
لا رؤية جامعة، ولا ضمانات لتمثيل حقيقي، ولا بيئة سياسية تسمح بإنتاج حلول.
مجرد قاعة جديدة تُعاد فيها كتابة السيناريو القديم بديكور مختلف.
وسط هذا المشهد المكرر من صراع المناصب وتدوير الوجوه، تتضح الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها:
المشكلة في اليمن لم تكن يومًا في الحكومات ولا في المؤتمرات، بل في العقلية التي تُعيد إنتاج الفشل مهما تغيّرت الأماكن وتبدّلت الشعارات.
عقلية ترى الدولة غنيمة، والمناصب ملكية خاصة، والمؤتمرات مسرحًا لإعادة توزيع النفوذ لا لإنتاج حلول.
وهذه العقلية لم تُنتج سوى واقع مشوّه يقوم على:
• محاصصة مناطقية وتقاسم مناصب لا لبناء دولة، بل – للأسف الشديد – لإرضاء مكونات سياسية وأطراف إقليمية.
• حروب بالوكالة تُستخدم فيها القبيلة والمذهب والمنطقة كوقود.
• حوارات ومؤتمرات تُعقد بالعشرات لكن نتائجها تُكتب مسبقًا في غرف مغلقة.
• شراء ولاءات بدل بناء مؤسسات.
• مكونات سياسية تُخلق عند الحاجة ثم تُرمى عند انتهاء الدور.
هذه ليست أزمة طارئة، بل امتداد طبيعي لمسار طويل من إدارة البلاد بالأدوات نفسها منذ الاستقلال:
محاصصة، تدوير للوجوه، مؤتمرات شكلية، وحروب تُدار بعقلية الثأر لا بعقلية الدولة.
والنتيجة واضحة أمام الجميع:
بلد يتذيل العالم في كل مؤشرات الفشل—
اقتصاد منهار، فساد مستشري، خدمات صحية متدهورة، أمن غائب، تعليم مدمّر، بنية تحتية متهالكة، بطالة متصاعدة، وهجرة متزايدة.
قطاع التعليم تحديدًا تحوّل إلى ضحية صامتة: مدارس بلا معلمين، مناهج بلا تطوير، أجيال بلا أفق، ومستقبل يُهدر عامًا بعد عام.
فكيف يمكن لعقلية صنعت الأزمة أن تصنع الحل
وكيف يمكن لقيادات فشلت في الماضي أن تنجح في الحاضر
وكيف يمكن لمن اعتاد تقاسم المناصب أن يبني دولة
إن استمرار هذا النهج يعني ببساطة أن أي حكومة جديدة لن تكون سوى نسخة أخرى من حكومات سابقة لم تقدّم شيئًا سوى المزيد من الانقسام والشلل.
فلا تغيير حقيقي يمكن أن يحدث ما دامت الأدوات نفسها، والعقلية نفسها، والوجوه نفسها هي التي تدير المشهد.
اليمن بحاجة إلى تغيير جذري…
تغيير في الأدوات، وفي الوجوه، وفي طريقة التفكير.
بحاجة إلى مشروع وطني يقوم على الكفاءة لا المحاصصة، وعلى الدولة لا الولاءات، وعلى خدمة الناس لا خدمة الزعامات.
لقد دفع اليمنيون ثمن هذه العقلية بما يكفي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
إلى متى سيظل البلد يُدار بالطريقة نفسها… ثم يتوقع نتيجة مختلفة
انور حميد باعوضه




