حوار ام مزاد سياسي؟ الجنوب بين الوجوه المكرره والمصالح المتحركه
في الوقت الذي ينتظر فيه الجنوبيون لحظة سياسية تعيد ترتيب الأوراق وتفتح بابًا نحو مستقبل أكثر وضوحًا، يتحوّل المشهد إلى ما يشبه “المولد السياسي” الذي يتزاحم فيه القادمون من كل اتجاه. مسؤولون تركوا مكاتبهم، وقيادات هجرت مواقعها، وشخصيات ظهرت فجأة في الرياض دون دعوة رسمية أو دور واضح.
ومع هذا الاندفاع غير المبرر، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام مؤتمر حوار… أم أمام سباق محموم على المكاسب؟
بصفتي متابعًا للمشهد الجنوبي منذ سنوات، أجد نفسي أمام لوحة سياسية لا يمكن وصفها إلا بأنها نسخة مكررة من كل الحوارات السابقة. نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الوعود التي لا تتجاوز حدود الفنادق وقاعات الاجتماعات.
المؤسف أن كثيرًا من المشاركين اليوم هم أنفسهم الذين كانوا جزءًا من الأزمة، بل جزءًا من صناعة الفوضى التي أوصلت الجنوب إلى ما هو عليه. ومع ذلك، يعودون اليوم بصفة “صنّاع الحل”، وكأن الذاكرة الجمعية للناس قد مُسحت.
اللافت أن بعض المسؤولين غادروا أعمالهم دون اكتراث، تاركين خلفهم ملفات متراكمة ومواطنين ينتظرون خدمات غائبة. ذهبوا إلى الرياض ليس لأن لديهم مشروعًا وطنيًا، بل لأنهم – كما يقول الشارع – “يدورون على رزقهم”، يبحثون عن مكرمة أو فرصة أو مكسب شخصي.
وهنا تكمن المشكلة: كيف يمكن لحوار أن ينجح إذا كان بعض المتحاورين لا يحملون سوى حقيبة سفر فارغة من أي رؤية؟
القيادات الوطنية الحقيقية، أولئك الذين دفعوا ثمنًا من أعمارهم ومواقفهم، يجدون أنفسهم اليوم خارج المشهد. تم إقصاؤهم لصالح “متحاورين للإيجار”، يتنقلون بين الولاءات كما يتنقلون بين الفنادق، يغيرون مواقفهم كما يغيرون ملابسهم، ويظهرون في كل محطة بوجه جديد يناسب اللحظة.
ومع ذلك، يستمر الحديث عن “حوار جنوبي” يفترض أن يفتح بابًا نحو المستقبل. لكن أي مستقبل يمكن بناؤه على أكتاف من لم يحملوا يومًا مشروعًا سوى مصالحهم؟
وأي حوار يمكن أن يثمر إذا كان بعض المشاركين فيه جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل؟
الخاتمة
الحوار الحقيقي لا يُقاس بعدد الحاضرين ولا بحجم القاعة، بل بصدق النوايا وثبات المواقف. وإذا كان مؤتمر الرياض سيعيد تدوير نفس الوجوه التي أثقلت الجنوب بخلافاتها ومصالحها، فلن يكون أكثر من محطة جديدة في مسلسل طويل من الاجتماعات التي لا تغيّر شيئًا.
القضية الجنوبية أكبر من الأشخاص، وأعمق من المصالح، وأقدس من أن تُترك في يد من اعتادوا المتاجرة بها.
ويبقى السؤال الذي يردده الناس اليوم بلا خوف:
هل يمكن أن يبني الوطن من اعتادوا هدمه، أم أن “المتحاورين للإيجار” سيبقون عبئًا على الجنوب بدل أن يكونوا جزءًا من خلاصه؟
انور حميد باعوضه




