صناعـة الحـب"كيـف نبني وطنًا يحـبه شـبابه؟"



ليـس فقدان الشباب لحب الوطن ناتجًا عن جحودٍ أو تنكّر، بل هو في جوهره نتيجة طبيعية لتراكم الخيبات، وتآكل الثقة، واتساع الفجوة بين ما يُقال وما يُمارس. 

فـ الشـباب لا يخاصمون أوطانهم، بل يتألمون حين يشعرون أن أوطانهم خاصمت أحلامهم، وضاقت بآمالهم، وأغلقت الأبواب في وجه طموحاتهم.

إن إعـادة حب الشباب للوطن لا تبدأ بالشعارات، ولا تُستعاد بالخطب الرنانة، بل تُبنى بإعادة الاعتبار للإنسان أولًا، وللشباب على وجه الخصوص.

هـذا الوطـن ينعم بفئة عمرية شابة يُحسَدُ عليها، فهُمُ القوة الدافعة في البناء والتعمير، والطاقة القادرة على إعادة إحياء نسيجه الحضاري والاقتصادي. 

فـ الشـباب ليسوا هامشًا في معادلة الدولة، بل هم قلبها النابض، وعمودها الفقري، ودرعها الحامي، وعقلها الذي يُفكِّر بالمستقبل لا بالماضي.

الثـقة هي المفتاح الأول؛ ثقةٌ تُبنى حين يرى الشاب أن القانون يحميه ولا يستقوي عليه، وأن الفرصة تُمنح على أساس الكفاءة لا المحسوبية، وأن الوطن يتسع لصوته ورأيه واختلافه. 

"فـ الشـباب حين يشعرون بالعـدالة، يشعرون بالانتـماء، وحين يُنصـفون، يدافـعون عن أوطانهم بـلا تردد" 

كـما أن إشـراك الشباب في صنع القرار لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية؛ لا يمكن أن نطلب منهم الإيمان بوطن لا يسمح لهم بالمشاركة في صياغة مستقبله. 

فـ إشراكـهم في المجالس والمؤسسات والبرامج التنموية، وإتاحة المجال لأفكارهم ومبادراتهم، هو استثمار حقيقي في أمن الوطن واستقراره واستدامته.

والوطـن الذي يريد من شبابه أن يبنوه، عليه أن يمنحهم أدوات البناء: تعلـيمًا حـديثًا، وفـرص عـمل كريمة، وبـيئة تحترم الإبـداع، تـكافئ الاجـتهاد، وتحـتضن الفـشل كمرحلة تعلُّم لا كوصمة إقصاء.

"فـالشـباب لا يهربـون من أوطانهم حبًا بالـغربة، بل فـرارًا من انسداد الأفـق" 

ثم إن الخـطاب الوطني بحاجة إلى مراجعة صادقة؛ خطاب يعترف بالأخطاء قبل أن يطالب بالتضحيات، ويصارح قبل أن يُحمِّل، ويُشرِك قبل أن يُلزِم؛ فالوطـن لا يُحَبُّ بالقهر، ولا يُصان بالإقصاء، بل يُعاش بالعدل، ويُحمَى بالشراكة.

إن الشـباب هم الثروة الحقيقية التي لا تنضب، وهم رأس المال الذي إن أُهمِلَ خسره الوطن، وإن استُثمِرَ فيه ربح المستقبل. 

وإعـادة حبهم للوطن تبدأ حين يشعرون أن الوطن يحبهم أولًا، يسمعهم، يؤمن بهم، ويمنحهم مكانهم الطبيعي كشركاء في البناء، لا مجرد متفرجين على أنقاض الأحلام.

وفـي الخـتام، لا تنبع إجابة السـؤال من فـراغ؛ فحـب الوطن فكرة تُعاش، لا تُلقَّن. 

لـن يعـود الشباب إلى حب الوطن إلا حين يصبح هذا الحب انعكاسًا طبيعيًا لتجربة يومية يشعرون فيها بالاحترام والإنصاف والأمل. 

لـن ينـتظروا إذنًا ليحبوه، لأن الحب سيكون اللغة الوحيدة التي يتحدثون بها مع أرضٍ منحتهم جذورًا قوية، وأعطتهم أجنحة للتحليق.

المستـقبل يبدأ اليوم، بقرار شجاع: أن نصـنع وطنًا يكون حب الشباب له هو الإجابة الوحيدة الممكنة على سؤال: "لـماذا ننتـمي؟".

د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 25. يناير. 2025م

.