حين يسقط الخطاب ويعرّي صاحبه
ليس كل من جلس يومًا على كرسي وزارة، يتقن فن الكلمة، ولا كل من حمل لقب “وزير إعلام” يملك بالضرورة أخلاق الإعلام، أو حدوده الدنيا.
وهذا بالضبط ما فعله وزير الإعلام السابق خالد الرويشان، حين اختار أن يخلع عباءة الدولة، ويرتدي لغة السوق، ويوجّه توصيفًا عنصريًا فجًّا بحق معالي الوزير البروفيسور عبدالناصر الوالي.
ما كان يُنتظر من رجل شغل موقعًا سياديًا، أن يختلف بحجة، أو ينتقد بفكرة، أو حتى يهاجم بموقف سياسي واضح.
لكن ما حدث لم يكن خلافًا، بل سقوطًا حرًّا في قاع الخطاب القذر.
الرويشان لم يناقش مشروعًا، ولم يفنّد رأيًا، ولم يمسّ جوهر طرح.
بل قفز مباشرة إلى التوصيف العنصري، وكأن ضيق الفكرة لا يُعالج إلا بضيق الأخلاق، وقلة الأدب.
وهنا لا بد من التوقف:
حين يكون الطرف المقابل بروفيسورًا، أكاديميًا، وزير دولة، وصاحب حضور فكري وسياسي، فإن الرد عليه لا يكون بالشخصنة، ولا بالتصنيف العنصري، ولا باستدعاء قاموس الإقصاء الرخيص.
الرد يكون بما يليق بالمقام، لا بما يفضح القائل.
البروفيسور عبدالناصر الوالي لم يهبط يومًا إلى هذا الدرك، لا في خصومة، ولا في خلاف، ولا حتى في ذروة الصراع.
ظلّ ــ شئنا أم أبينا ــ داخل مربع الدولة، والفكرة، واللغة المسؤولة.
أما من اختار الحضيض، فقد أعلن بنفسه موقعه، دون أن يُجبره أحد.
المفارقة المؤلمة، أن من يُفترض به الدفاع عن أخلاقيات الخطاب العام، هو ذاته من داسها بقلمه المريض وفكره الهابط. ومن يُفترض به حماية الذائقة الإعلامية، هو من لوّثها ببذاءته اللفظية.
ومن يفترض أن يكون “صوت عقل”، تحوّل إلى صدى غاضب بلا حجة.
العنصرية ــ يا سادة ــ ليست رأيًا.
والإسفاف ليس شجاعة.
والانحدار اللغوي لا يُسمّى جرأة.
ومن يعجز عن مقارعة الفكرة بالفكرة، يلجأ عادةً إلى الطعن في الهوية، لأن الفراغ الفكري دائمًا صاخب.
الخلاصة؟
الوالي لم يُهزم في هذا السجال، لأنه لم ينزل إليه أصلًا.
أما الرويشان، فقد خسر أكثر مما يظن، خسر ما تبقى من صورة، ومن وزن، ومن احترام كان يمكن أن يُحفظ بالصمت، إن لم يكن بالحكمة.
وفي السياسة، كما في الإعلام:
ليس كل ما يُقال يُحسب موقفًا، بعض الكلام يُحسب اعترافًا بالسقوط.




