شهادة من المخا… ما رأيته بعيني وليس رواية منقولة.....
منبر الاخبار / خاص
تحت عنوان شهادة من المخا… ما رأيته بعيني وليس رواية منقولة......كتب العميد الركن صالح اليافعي على يومياته في فيسبوك وقال ...
أكتب هذه السطور وأنا مدرك لحساسية ما سأقوله، ومدرك كذلك لمسؤوليتي الأخلاقية والتاريخية. ما سأرويه هنا ليس تحليلاً سياسياً، ولا اتهاماً مرسلاً، ولا نقلاً عن طرف ثالث، بل شهادة شخصية مباشرة عمّا رأيته وسمعته خلال زيارة رسمية قبل ستة أشهر إلى مدينة المخا، ضمن وفد مرسل من الهيئة العامة للمجلس الانتقالي.
في ذلك اليوم، وصلنا إلى المخا في مهمة معلنة، وكان الاستقبال من قبل صادق دويد مدير مكتب طارق عفاش. أبلغنا صادق دويد منذ البداية أن طارق عفاش مشغول، وطلب منا الانتظار حتى الساعة العاشرة صباحاً للقاء به. انتظرنا وفق ما طُلب منا، ولم يكن في الأمر حينها ما يثير الشك أو الريبة.
عند حلول الساعة العاشرة، تم اقتيادنا إلى مكتب طارق عفاش. وأؤكد هنا أن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئاً وصادماً. أثناء دخولنا، شاهدنا شخصاً أجنبياً يخرج من مكتب طارق، يرتدي بدلة عسكرية، وعلى يده اليسرى شارة تحمل علم إسرائيل بشكل واضح لا لبس فيه. هذا المشهد لم يكن عابراً ولا قابلاً للتأويل، فقد كان العلم ظاهراً بوضوح.
أمام هذا المشهد، وجّهت سؤالاً مباشراً إلى طارق عفاش:
من هذا الشخص الذي خرج الآن من مكتبك، ولماذا يحمل شارة علم إسرائيل؟
كان رد طارق مختصراً، بارداً، ومثيراً للقلق في آنٍ واحد. قال لي:
"هذه أسرار"
ثم ابتسم، وأنهى الحديث دون أي توضيح أو نفي أو تفسير. هذه الإجابة بحد ذاتها فتحت باباً واسعاً من علامات الاستفهام، ليس فقط حول الشخص، بل حول طبيعة اللقاءات التي تُدار خلف الأبواب المغلقة.
بعد انتهاء الاجتماع الرسمي، تم توجيهنا إلى صالة الضيافة لتناول وجبة الغداء. وهناك كانت الصدمة الثانية، وربما الأخطر. فوجئنا بوجود وفد إسرائيلي يجلس إلى جانب عمار عفاش، وبرفقتهم عدد من الضباط الأمريكيين والبريطانيين. لم يكن الأمر لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل جلسة واضحة المعالم، هادئة، وممتدة.
ما لفت انتباهي بشكل خاص أن بعض أفراد الوفد الإسرائيلي كانوا يتحدثون اللغة العربية بطلاقة، ما يدل على أنهم ليسوا مجرد دبلوماسيين عابرين، بل أشخاص ذوو خبرة ومعرفة مسبقة بالمنطقة. دار نقاش مباشر بينهم وبين عمار عفاش، وكان الحديث – بحسب ما سمعته وفهمته من سياق الحوار – يتمحور حول كيفية إنشاء غرفة عمليات مشتركة، تكون بين إسرائيل والمخا، وتعمل تحت إطار مرتبط بطارق عفاش.
أكرر هنا، وبكل وضوح:
أنا لا أقدّم استنتاجات سياسية، ولا أزعم امتلاك وثائق، بل أضع أمام الرأي العام شهادة عيان لما جرى أمامي. ما رأيته لا يمكن فصله عن الواقع الإقليمي، ولا عن طبيعة التحالفات التي تُدار في الخفاء، ولا عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسيادة والقرار الوطني.
إن خطورة ما شاهدته لا تكمن فقط في وجود وفود أجنبية، بل في طبيعة هذه الوفود، وفي مستوى النقاش، وفي غياب أي شفافية تجاه الشعب، وتجاه القوى التي يُفترض أنها تقاتل تحت عناوين وطنية. حين تُدار مثل هذه اللقاءات بعيداً عن الناس، وبلا أي مساءلة، فإن من حق الشعب أن يعرف، ومن واجب من شهد أن يتكلم.
أضع هذه الشهادة أمام الجميع، للتاريخ أولاً، وللرأي العام ثانياً، ولمن لا يزال يعتقد أن ما يجري في الكواليس لا علاقة له بما يحدث على الأرض. فالتاريخ لا يُكتب فقط بالمعارك، بل أيضاً بالغرف المغلقة، وبالابتسامات التي تُقال بعدها كلمة واحدة:
"هذه أسرار".
العميد الركن صالح اليافعي...




