صـدق النـوايا: البوصلة المفقودة لنهضة عـدن



فـي لحظات التحوُّل الكبرى، لا تُقاس قوة المدن بما تملكه من موارد فقط، بل بما يسكن قلوبَ القائمين على شؤونها مِن صدقٍ في النوايا، ونقاءٍ في المقاصد، وإخلاصٍ في العمل. 

وعـدن، هذه المدينة التي تعبت كثيرًا من صخب الصراعات وتراكم الإخفاقات، لا تحتاج اليوم إلى شعارات جديدة بقدر حاجتها إلى نوايا صادقةٍ تترجم إلى أفعال.

لـقد أثبتت تجاربُ الشعوب أن الخلافات - مهما تعقَّدت - لا تُحلُّ بالقوة ولا بالمكايدات، بل بصدق الإرادة في البحث عن المشترك، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. 

فحـين تصدق النوايا، يلين الموقف، وتتقارب الرؤى، ويصبح الحوار طريقًا ممكنًا لا ترفًا مؤجلًا، أمـا حين تُدار الشؤون بعقول مشدودة إلى الخلف، ونوايا مثقلة بالشكوك، فإن الخلاف يتحول إلى قطيعة، والاختلاف إلى خصومة دائمة.

إن النهـوضَ بـ عـدن لا يبدأ من إعادة ترتيب المكاتب ولا من تبديل الوجوه فقط، بل من مراجعة داخلية صادقة: لـماذا فشلت المحـاولات السابقة؟ وأين غابت النية الخالصة لخدمـة الإنـسان فيها؟ 

فـالصدقُ في النوايا يفرض على صاحبه أن يرى المواطن لا كرقم في معادلة سياسية، بل كغاية لأي سلطة وسبب لوجودها؛ وحـين يكون الإنسان هو المحور، تتغير الأولويات، ويتقدّم تحسينُ المعيشة والخدمات، ويصبح الأمن والاستقرار نتيجة طبيعية لا قرارًا فَوقيًّا.

عـدن اليوم ترزح تحت معاناة متعددة الوجوه: كهرباء متعثرة، وخدمات شحيحة، وفرص عمل محدودة، وحالة نفسية مثقلة بالخذلان؛ وكل ذلك لا يمكن معالجته بمعالجات جزئية أو وعود موسمية، بل برؤية صادقة تتعامل مع الألم كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى. 

"فـالصدق في النوايا يعني الاعتراف بالخطأ، والجرأة على التصحيح، والقدرة على العمل المشترك دون إقصاء أو استعلاء"

كـما أن صدق النوايا هو الضامن الحقيقي لإنهاء حالة الاستقطاب التي أنهكت المحافظة؛ فحـين يوقن الجميع أن الهدف هو عـدن، لا الغلبة فيها ولا عليها، يصبح الاختلاف مصدر إثراء لا أداة هدم، وتتحول السلطة المحلية من ساحة صراع إلى مساحة خدمة، ومن موقع نفوذ إلى موقع مسؤولية.

إن عـدن لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر معجزات، كل ما تحتاجه هو رجال ونساء يصدقون مع أنفسهم أولًا، ثم مع مدينتهم، ويجعلون من مواقعهم جسورًا لعبور الأزمات لا متاريسَ لتعميقها. 

"فبـصدق النوايا تُردَم الفجوات، وتُبنى الثقة، وتبدأ أولى خطوات التعافي" 

ولـن تكون عدن التي نحلم بها إلا باجتماع عناصرها الأساسية: قـلب نقيّ النوايا، وعـقل عملي يبحث عن الحلول، ويـد تعمل بإخلاص. 

فالـنوايا الصادقة هي القلب النابض الذي يمنح الروح، والعمل الجاد هو الجسد الذي يتحرك؛ حـين تكتمل هذه الصورة، ستشرق عدن من جديد، ليس كماضٍ نتذكره بحنين، بل كمستقبل نعيشه بكرامة وفخر.

"وصدقُ النوايا في الأخير؛ سيبقى هو الاختبار الأصدق لأي مشروع سياسي أو إداري"

فـمن صدق مع عـدن، صدقت معه، ومن خذلها بنوايا ملتبسة، ستبقى تذكِّره - وإن طال الزمن - أن المـدنَ لا تُدار بالخـداع، بل تُبنى بالإخـلاص.

وهكـذا نعود إلى نقطة البداية، حيث قلنا إن قوة المدن تُقاس بما يسكن القلوب؛ فلتكـن قلـوبنا جميعًا، نحـن أبنـاء عـدن والقائمين عليها، مساكـنَ لهذا الصـدق.

د. هـاني بن محمد القاسمي 

عـدن: 9. يناير. 2026م

.