طبيعة البيان… إعلان مشروط لا قفزة في المجهول




بيان المجلس الانتقالي الجنوبي ليس إعلان دولة، ولا انسحابًا من الشراكة، بل إعلان إدارة صراع سياسي بآلية جديدة.
هو بيان تدرّجي بامتياز، يحاول نقل القضية الجنوبية من مربع الاشتباك المفتوح إلى مربع التسييس القانوني المنضبط زمنياً.
اللافت هنا:
لم يلغِ الشراكة فورًا
لم يعلن فك الارتباط أحاديًا
لم يستفز المجتمع الدولي بل استدعاه
ولم يغلق الباب أمام الشمال، بل أبقاه مواربًا بشروط
هذا يعكس إدراكًا أن اللحظة الإقليمية لا تسمح بالمغامرة، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تُستثمر ضد الجنوب لا لصالحه.
ثانيًا: المرحلة الانتقالية… محاولة لشراء الوقت أم ضبط للمسار؟
إعلان مرحلة انتقالية لمدة سنتين يحمل قراءتين متناقضتين:
1. القراءة الإيجابية
محاولة تحويل الزخم الشعبي إلى مسار قانوني
إعطاء الجنوب فرصة لترتيب الداخل (مؤسسات، أمن، موارد)
إحراج الأطراف الرافضة أمام المجتمع الدولي
كسب اعتراف ضمني بأن الجنوب قضية قائمة بذاتها
بهذا المعنى، البيان ذكي، لأنه:
لا يطالب بالحق فقط، بل يشرح كيف ومتى وبأي ضمانات.
2. القراءة المتحفظة
سنتان في السياسة اليمنية عمر كامل للفوضى
المرحلة الانتقالية قد تتحول إلى منطقة رمادية
خصوم الجنوب قد يستثمرون الزمن لإفراغ الإعلان من مضمونه
التجربة السابقة مع الاتفاقات المرحلية ليست مشجعة
بعبارة أدق:
المرحلة الانتقالية فرصة إن أُحسن إدارتها، وفخ إن تُركت بلا أنياب.
ثالثًا: في ظل الحرب مع السعودية… أين يقف البيان؟
هنا نصل إلى لبّ سؤالك.
البيان صدر في لحظة:
توتر غير مسبوق مع السعودية
صراع نفوذ سعودي–إماراتي غير معلن
محاولة سعودية لإعادة هندسة الجنوب سياسيًا وعسكريًا
واستخدام أدوات محلية لفرض وقائع جديدة
في هذا السياق، البيان:
لا يصعّد عسكريًا مع السعودية
لكنه يسحب منها ورقة التحكم السياسي
وينقل المواجهة من الجوّ والسلاح إلى النصّ والشرعية
المجلس يقول للسعودية – دون أن يسميها:
إن أردتم شريكًا، فهذا هو الإطار
وإن أردتم فرض الأمر الواقع، فلدينا خياراتنا
وهذا تطور مهم، لأنه:
ينهي مرحلة الغموض
ويضع المملكة أمام اختبار: هل تريد حلاً أم إدارة أزمة؟
رابعًا: الإمارات… الحليف الصامت في خلفية المشهد
رغم أن البيان لم يذكر الإمارات، إلا أن روحه لا تتناقض معها:
مسار تدريجي
استقرار أمني
تجنب الفوضى
عدم خلق فراغ إقليمي
وهذا ينسجم مع:
سياسة أبوظبي الواقعية
انسحابها العسكري المنظم
وعدم رغبتها في حرب مفتوحة مع الرياض
لكن في المقابل:
البيان يحرج السعودية أكثر مما يحرج الإمارات
ويمنح الأخيرة هامش دعم سياسي غير صاخب
خامسًا: المجتمع الدولي… هل يسمع أم يؤجل؟
الدعوة الصريحة للاستفتاء والمراقبين الدوليين خطوة محسوبة، لكنها تصطدم بحقيقة:
المجتمع الدولي لا يحب القضايا العادلة بقدر ما يحب القضايا المستقرة.
نجاح هذا المسار مرهون بـ:
قدرة الجنوب على ضبط الأمن والخدمات
توحيد الخطاب الإعلامي (وهنا مكمن الخطر)
عدم الانزلاق إلى خطاب تعبوي ينسف الرسالة القانونية
سادسًا: مآلات التطبيق… ثلاثة سيناريوهات
1. سيناريو الاستجابة الجزئية
حوار شكلي
تسويف زمني
محاولة احتواء الإعلان دون تنفيذه
وهو الأخطر لأنه يستنزف الجنوب دون مواجهة واضحة.
2. سيناريو الصدام
رفض سعودي غير مباشر
تحريك أدوات عسكرية أو اقتصادية
اختبار جدية الإعلان الدستوري
وهنا سيكون الجنوب أمام امتحان صعب:
هل يملك أدوات الرد أم لا؟
3. سيناريو التوافق المشروط
اعتراف تدريجي بالقضية
إدارة مشتركة للمرحلة
استفتاء مؤجل لكنه غير ملغى
وهو السيناريو الأقل كلفة، لكنه يتطلب:
عقل بارد… وإعلام مسؤول… وقرار موحد.
الخلاصة: هل البيان مجدٍ؟
نعم، البيان مجدٍ سياسيًا، لكنه:
ليس عصا سحرية
ولا ضمانة تلقائية
بل إطار معركة جديدة بشروط مختلفة
نجاحه لا يتوقف على النص، بل على:
من يشرحه
كيف يُدار
وما إذا كان الجنوب مستعدًا لدفع كلفة التمسك به
 
علي سيقلي
الجمعة الموافق 3 يناير 2026م